
بين الحقيقة والهوى...
حين يُعاقَب التاريخ لأننا نكره أصحابه.
يسرّني أن أكتب في السياسة والتحليل أكثر مما أكتب في القصة، فالأدب ليس مجالي المعتاد، ومع ذلك وجدت نفسي قبيل فجر ليل أمس أكتب قصة متكاملة، حاولت فيها أن أبتعد عن لغة الوقائع الجامدة إلى فضاء الإنسان، وأن أجعل من الحدث التاريخي خلفيةً لقيم الوفاء والانتماء والتضحية...
لكن ما لفت انتباهي لم يكن القصة نفسها، بل الصمت الذي أحاط بها من قبل الأصدقاء الافتراضيون، وكأن مجرد ورود اسم حرب تشرين كان كافياً ليصرف كثيرين عنها، ليس لأنهم قرأوها واختلفوا معها، بل لأنهم حاكموا النص قبل أن يفتحوه، وحاكموا التاريخ من خلال موقفهم من النظام الذي كان قائماً آنذاك...
وهنا تكمن المشكلة، فثمة من يرفض الاعتراف بأي إنجاز وقع في زمن نظام يكرهه، وكأن الأوطان لا تعرف الانتصارات إلا إذا جاءت على يد من ينسجم مع قناعاته السياسية. يخلطون بين الدولة والنظام، وبين الجيش والسلطة، وبين تضحيات الجنود وخلافاتهم مع الحكام، فيقبلون الهزيمة إذا وافقت أهواءهم، ويتنكرون للنصر إذا لم يعجبهم من كان في سدة الحكم.
حين اندلعت حرب تشرين كان حافظ الأسد رئيساً للجمهورية والقائد العام للجيش والقوات المسلحة، وهذه حقيقة تاريخية لا يغيّرها الحب ولا الكراهية، لكن الحقيقة الأخرى، والأهم، أن من قاتل على الجبهات كانوا أبناء سورية، وأن من استشهدوا لم يسألوا عن الانتماءات السياسية، بل حملوا الوطن في قلوبهم وواجهوا الموت دفاعاً عن أرضه وكرامته...
قصتي لم تكن عن الحرب بوصفها معركة عسكرية، ولم تكن مديحاً لنظام أو دفاعاً عن مرحلة سياسية، بل كانت عن الإنسان السوري، وعن المعاني الوطنية والقومية التي تتجاوز الأشخاص والسلطات، ومع ذلك، بدا أن بعض العقول لم تعد ترى إلا من خلال عدسة الكراهية؛ فإذا ورد اسم مرحلة تاريخية أغلقت أبواب الفهم قبل أن تبدأ القراءة...
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة هو أن تجعل خصوماتها السياسية سبباً لمحو ذاكرتها الوطنية، فالتاريخ لا يُكتب بالأهواء، والانتصارات لا تُلغى لأننا اختلفنا مع من حكم، كما أن الهزائم لا تتحول إلى انتصارات لأننا أحببنا أصحابها...
لن تتقدم الأمم ما دامت تقرأ تاريخها بعين الثأر لا بعين الحقيقة. فالوطن أكبر من الحكام، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من خلافاتنا جميعاً. ومن حق الأجيال القادمة علينا أن نورثها تاريخاً كما وقع، لا كما تشتهي انفعالاتنا أن يكون.