
خاطرة
أكتب إليكِ لأن الصمت معكِ لم يعد يجيد التعبير عني. ولأن الرجل، مهما أتقن إخفاء مشاعره، تأتي عليه لحظة يعترف فيها بأن أحدًا ما أصبح جزءًا من توازنه الداخلي. وأنتِ... كنتِ تلك اللحظة.
لستِ نزوةً عبرت، ولا ذكرى تتآكلها الأيام، ولا احتمالًا أعلّق عليه أوهامي. أنتِ اليقين الهادئ الذي تعلّمتُ معه أن الانتظار ليس هزيمة، بل صورة أخرى من صور الوفاء.
أشتاقكِ... نعم، لكنني لا أنكسر. أحبكِ... نعم، لكنني لا أستجدي اقترابًا ولا أساوم على كرامة الحب. فالعشق الذي يفقد كبرياءه، يفقد شيئًا من نقائه، والحب الحقيقي لا يرفع صوته، بل يثبت حضوره بصمته وصدق انتظاره.
لهذا أبقى هنا... كما أنا. لا ألوّح بغيابكِ، ولا أعاتب الزمن لأنه أطال المسافة بيننا. فبعض الطرق لا تُختصر، وبعض اللقاءات لا تأتي إلا حين يكتمل أوانها.
وأعرف، كما أعرف اسمي، أن لقاءنا ليس مستحيلًا... بل مؤجل. وحين يأتي، لن أحمل معي أسئلةً مؤجلة، ولن أفتح دفاتر العتاب، ولن أبحث في تفاصيل الغياب. سأكتفي بأن أنظر إليكِ طويلًا... تلك النظرة التي تختصر ما عجزت عنه الكلمات، كمن استعاد صوته بعد صمتٍ طويل، أو عاد إلى وطنٍ لم يغادر قلبه يومًا.
إلى أن يحين ذلك الموعد، لا تقلقي عليّ. أنا بخير، لأنني لم أخن إحساسي، ولم أتراجع عن صدقي. وقويٌّ، لأنني اخترت الانتظار بإرادتي، لا الاستسلام ليأسي.
وإن مررتِ يومًا بهذه الكلمات، ثم خيّم الصمت بعد قراءتها، فاعلمي أن ذلك الصمت لم يكن فراغًا... بل كان آخر ما استطاعت الكلمات أن تتركه للعشق.
فبعض الرسائل لا تنتهي عند آخر سطر، بل تبدأ هناك... وتظل مفتوحة، حتى يكتب اللقاء خاتمتها.