
دمياط ليست الهدف...
بل الشرق الأوسط كله.
( حين تتحول منشآت الطاقة إلى ساحات حرب ورسائل النار )
إذا ثبت أن المسيّرة التي استهدفت منشأة الغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط قد جاءت في إطار عمل عدائي منظم، فإننا لا نكون أمام حادث أمني عابر، بل أمام افتتاح مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط، عنوانها استهداف الاقتصاد بدلًا من الجيوش، والطاقة بدلًا من الثكنات، والموانئ بدلًا من خطوط الجبهة...
اللافت في هذه العملية، إن صحت تفاصيلها، أن الهدف لم يكن منشأة مصرية خالصة، بل منشأة تملكها وتديرها شركة أمريكية داخل الأراضي المصرية، وهذه النقطة وحدها تكشف أن الرسالة تتجاوز حدود مصر، لتصل مباشرة إلى واشنطن، وإلى كل من يعتقد أن مصالحه الاقتصادية بمنأى عن تداعيات المواجهة الإقليمية...
منذ سنوات، اعتمدت بعض القوى الإقليمية ووكلاؤها سياسة "الحروب غير المتماثلة"، القائمة على استخدام المسيّرات والصواريخ منخفضة الكلفة لإحداث أثر سياسي واقتصادي يفوق بأضعاف قيمة الوسيلة المستخدمة... فطائرة مسيّرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات قد تدفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها، وتثير قلق المستثمرين، وتربك حركة الملاحة، وتهز أسواق الطاقة العالمية خلال ساعات...
لكن السؤال الأهم هو:
- من المستفيد؟..
قد تتعدد الفرضيات، غير أن طبيعة الهدف تشير إلى أن الغاية ليست تدمير منشأة بعينها، وإنما إيصال رسالة مفادها أن البنية التحتية للطاقة في المنطقة أصبحت تحت مرمى النيران، وأن أي تصعيد عسكري ضد أطراف إقليمية قد يقابله توسيع لدائرة الاستهداف لتشمل المصالح الاقتصادية الأمريكية وحلفاءها...
ولا يمكن تجاهل أن هذا الأسلوب ينسجم مع أنماط شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية، حيث أصبحت منشآت النفط والغاز والموانئ أهدافًا ذات قيمة استراتيجية عالية، ومع ذلك، فإن نسبة أي هجوم إلى جهة محددة تبقى مرهونة بنتائج التحقيقات والأدلة الفنية، لا بالتكهنات أو المواقف السياسية...
وفي تقديري:
فإن الرسالة الأخطر قد تكون موجهة إلى مصر نفسها، فالقاهرة نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانتها مركزًا إقليميًا لتجارة وتسييل الغاز، وهو ما منحها وزنًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متزايدًا. واستهداف منشأة داخل أحد أهم موانئها، حتى وإن لم يسفر عن أضرار جسيمة، يحمل في طياته محاولة لاختبار الجاهزية الأمنية، وبث الشك في قدرة المنطقة على حماية استثماراتها الحيوية...
كما أن هذا النوع من العمليات يهدف إلى خلق حالة من الردع النفسي قبل الردع العسكري. فالمطلوب ليس بالضرورة تدمير المنشآت، بل إثبات إمكانية الوصول إليها، وإرسال رسالة مفادها أن أي منشأة للطاقة، مهما بلغت تحصيناتها، يمكن أن تتحول إلى هدف إذا اتسعت رقعة الصراع...
لذا:
فإن ما يجري يؤكد أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الحروب تُقاس بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرة الأطراف على شل الاقتصاد، وتعطيل التجارة، وتهديد مصادر الطاقة. إنها حرب تستهدف الأعصاب قبل الأجساد، والأسواق قبل الميادين...
لهذا:
فإن الرد الحقيقي لا يقتصر على تعزيز الإجراءات الأمنية أو ملاحقة المنفذين، بل يقتضي بناء منظومة إقليمية متكاملة لحماية الموانئ ومنشآت الطاقة، وتطوير قدرات الدفاع الجوي المضاد للمسيّرات، وتكثيف التعاون الاستخباراتي بين الدول العربية لمواجهة هذا النمط الجديد من التهديدات...
ويبقى التحذير الأهم أن استهداف منشآت الطاقة، أيًا كان الفاعل، لا يهدد دولة بعينها، بل يفتح بابًا خطيرًا قد تتحول معه المنطقة كلها إلى ساحة استنزاف اقتصادي مفتوح، يدفع ثمنه الجميع دون استثناء. وإذا لم يُواجَه هذا المسار بحزم وتنسيق إقليمي، فإن المسيّرات الصغيرة قد تصبح السلاح الأكثر تأثيرًا في رسم خرائط الصراع ومستقبل الاقتصاد في الشرق الأوسط.