
عالم السوشيال ميديا… حين يعمل الفقراء لحساب لصوص النهار
في الظاهر، يبدو عالم السوشيال ميديا مساحة مفتوحة للجميع: اكتب ما تشاء، صوّر ما تريد، وانشر أفكارك بحرّية. لكن خلف هذا القناع الجميل تختبئ منظومة قاسية تُدار بقوانين لا تخدم إلا الأقوياء. هنا، لا يُقاس الإبداع بقيمته الفكرية أو الإنسانية، بل بقدرته على تحقيق أرباح للشركات التي تتحكم بالمنصات والخوارزميات وحقوق الاستخدام.
في هذا العالم، يتحول الكاتب الفقير أو الصحفي المستقل إلى عامل بلا أجر عادل. ينتج محتوى، يبحث، يكتب، يصوّر، ثم يُفاجأ أن كل خطوة محسوبة عليه: الصورة لها ثمن، والمقطع له ترخيص، وحتى الانتشار يخضع لشروط مدفوعة. هكذا يُدفع الفقير إلى خيارين كلاهما مُرّ: إمّا أن يدفع من جيبه الفارغ كي يلتزم بالقواعد، أو أن يُغامر بموقعه وسمعته تحت سيف الاتهام بالسرقة أو انتهاك الحقوق.
المفارقة الصارخة أن المنصات نفسها التي تفرض هذه القيود الصارمة، تبني ثرواتها على محتوى يصنعه الملايين من الفقراء والمستقلين. هي لا تكتب ولا تُصوّر، لكنها تحصد الأرباح من كل مشاهدة وكل إعلان، بينما يظل المنتج الحقيقي للمحتوى في أسفل السلسلة، يتقاضى الفتات أو ينتظر سنوات ليحصل على مردود لا يساوي قيمة الجهد المبذول.
هنا تتجلى سرقة من نوع جديد: ليست سرقة فكرة أو صورة فقط، بل سرقة زمن الناس وأعصابهم وأحلامهم. يُقنعونك أنك حرّ في النشر، ثم يضعونك داخل متاهة قوانين واشتراكات وترخيص، ليقولوا لك في النهاية: إمّا أن تعمل وفق شروطنا، أو لا مكان لك في هذا العالم الرقمي.
النتيجة أن الفقير لا يُقصى فقط من الثروة، بل يُقصى من الحق في الظهور الكريم. يتحول الإبداع إلى امتياز لمن يملك المال، بينما يُختزل الفقراء إلى عمّال في مصنع ضخم اسمه “الإنترنت”، يُنتجون بلا حماية حقيقية، ويُحاسَبون بقسوة إن أخطأوا، ويُنسَون بسهولة إن نجحوا.
هذه ليست ثورة رقمية، بل اقتصاد استغلال جديد بواجهة عصرية. عالم يقول لك: اعمل، أبدع، كن نشطاً… لكن لا تنسَ أنك تعمل لحساب غيرك. لصوص النهار في هذا الزمن لا يحملون سكاكين، بل يملكون منصات وقوانين وشروط استخدام، ويعرفون جيداً كيف يحوّلون جهد الفقراء إلى أرباح نظيفة في دفاترهم