--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

اعتراف رجلٍ وقف في المنطقة الرمادية

Salah Kirata • ٢٦‏/٢‏/٢٠٢٦

552.jpg

اعتراف رجلٍ وقف في المنطقة الرمادية:

لم أكن واحدًا من الذين يهتفون، ولا من الذين يقفون في الصف الخلفي بقبضات مشدودة وصمتٍ عنيد، كنت في مكانٍ آخر…
في تلك المنطقة الرمادية التي لا تُرى من المدرّج،لكنها تتحكّم بإيقاعه كلّه.

عام ١٩٩٠، كنت من منظّمي أحد المؤتمرات لإحدى المنظمات التي اصطلح على تسميتها بالشعبية، مع بعض من نقابية، لأن المنظمات في وقتها لم تكن بكليتها رديفة للحزب، فبينها من له صبغة نقابية، اقصد أنه يضم بين منتسبيه مواطنون من قوى سياسية غير حزب البعث العربي الاشتراكي...
كنت من المكلّفين بالشأن الأمني في هذا المؤتمر إضافة لكوني عضو في لجنه التحضيرية،كنت أعرف كل تفصيلة قبل أن تحدث:
متى يبدأ التصفيق، متى ترتفع الشعارات، ومن أين يدخل من لا يجوز أن يتأخّر،ومن أين يخرج من يُفضَّل ألّا يُرى.

لم يكن في القاعة ما يفاجئني،الصور في أماكنها،والمنصّة في موقعها،وصورة حافظ الأسد جزء من الديكور السياسي الدائم وكل شيء كان مضبوطًا على إيقاعٍ واحد " إيقاع الطاعة التي تتقن لبس قناع الحماسة "...

كنت أعرف أيضًا تركيبة الحضور فقد كان بينهم عدد من الرفاق في الحزب الشيوعي، كنت أقدى أنهم لن يرفعوا صورًا، ولن يذوبوا في الجوقة، لكنني لم أتوقّع أن يذهب أحدهم إلى هذا الحدّ من الوضوح الفجّ...

وقفوا في مؤخرة المدرّج، لا ليختبئوا،
بل ليقلّلوا الاحتكاك، هذا النوع من الوقوف أعرفه جيدًا، كونه وقوف من يريد أن يمرّ اليوم بسلام، لا أن يصنع بطولة...

حين صعد ممثل الحزب لإلقاء كلمته،
انفجر المدرّج بالتصفيق، لم يكن التصفيق ردّ فعل على الكلمات، بل تنفيذًا لنصّ محفوظ، كنا نشيطه بحركات اصابع الكف الواحدة...
ثم جاءت اللحظة التي أعرفها تمامًا:
الهتاف الجماعي، ذلك الصوت الذي لا يُشبه أحدًا بعينه، لأنه صوت الجميع حين يختبئون في الجميع...
            ( بالروح بالدم، نفديك ياحافظ ) 

راقبتُ المدرّج بعين المنظّم لا بعين المواطن، كنت أبحث عن خلل في الإيقاع، ووجدته، أحد الرفاق الشيوعيين بقي متكتّفًا، لا صورة، لا تصفيق، لا صوت، رأيته كما يُرى الشرخ في جدار قديم، صغير،لكن كافيًا ليدخل منه الهواء كلّه.

اقترب منه عنصر أمني أعرفه شخصيًا،
هو تابع لمكان كنت أدير فيه قسمًا، وأعرف طباعه، فهو ليس شريرًا بالمعنى البسيط، لكنّه ابن منظومة لا ترى في الصمت حيادًا، بل شبهة...

سأله بحدّة:
– ليش ما عم تصفق؟..
- ليش ما عم تهتف؟..
تردّد الشاب لحظة، كأنه يزن حياته في كفّة، وكلمته في كفّة أخرى، ثم قال، بصوتٍ لم يكن عاليًا، لكنّه كان واضحًا أكثر مما يجب:
– أنا ما بفدي حدا بدمي.
توقّف الزمن لثانية، وأنا، بكل حساباتي الباردة، عرفت فورًا أن هذه الجملة
أخطر من شتيمة، لأنها لا تُهاجم أحدًا،
بل تفضح اللعبة كلّها...
– ولك هاد الرئيس القائد!
صرخ العنصر...
فجاء الردّ هادئًا على نحوٍ مُقلق:
– متل ما سمعت...
ما بفدي حدا بدمي، ولا حتى أبي وأمي، فروحي أغلى من الجميع.
وكل هالتصفيق والهتاف كذب، وأنا ما بكذب...
كنت قريبًا بما يكفي لأسمع كل كلمة،
وبعيدًا بما يكفي لأتظاهر بأنني لا أسمع شيئًا...
هذا هو الامتحان الحقيقي للمنظّمين :
أن تعرف متى تتدخّل، ومتى تترك الآخرين يتدخّلون كي لا يُحسب عليك شيء...

ارتفع صوت العنصر، رأيت في عينيه مزيجًا من الغضب والخوف، غضب لأن سلطته اهتزّت، وخوف لأن المشهد خرج عن النصّ...

تدخّلت، لم اتحدث عن حقّ الشاب في رأيه، ولا عن قسوة العنصر، بل قدّما مخرجًا إداريًا باردًا:
– هدول شيوعيين، ما بيرفعوا صور،
وما بيرددوا شعاراتنا، كانت جملة تقنية أكثر منها سياسية، جملة تُغلق الحادثة دون أن تفتح ملفًّا...
وفعلًا…
أُغلقت الحادثة...

واشهد الله لم نوقف الشاب، لم نعتقله،
ليس لأن ما قاله مقبول، بل لأننا، نحن الواقفين في المنطقة الرمادية، نُتقن فنّ تقليص الخسائر، كوننا كنا نعرف أن تحويله إلى ( قضية ) سيخلق ضجيجًا أكبر من الجملة نفسها...
وأحيانًا، تُفضّل المنظومات الصمت
على الضجيج الذي لا يمكن ضبط صداه.