العالم

وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران... نهاية الحرب أم بداية مرحلة أخطر

نُشر في ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦، ٢:٢٩:٤١ م

59412.png


وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران... 
نهاية الحرب أم بداية مرحلة أخطر؟.

في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائماً بإطلاق الرصاصة الأخيرة، بل تبدأ أحياناً مع أول إعلان عن وقف إطلاق النار. فالهدوء في هذه المنطقة كثيراً ما يكون مجرد استراحة يلتقط خلالها اللاعبون أنفاسهم، ويعيدون ترتيب أوراقهم استعداداً لجولة جديدة، سياسية كانت أم عسكرية...

الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مفاجئاً بقدر ما كان متوقعاً، فمنذ اللحظة الأولى للتصعيد، بدا واضحاً أن الطرفين لا يريدان حرباً شاملة، رغم كل الخطاب الناري الذي سبق المواجهة ورافقها. فواشنطن تعرف أن أي حرب مفتوحة مع إيران ستستنزفها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، في وقت تتجه فيه أولوياتها الاستراتيجية نحو احتواء الصين ومواجهة روسيا، أما طهران، فتدرك أن الدخول في حرب طويلة مع القوة العسكرية الأولى في العالم قد يهدد بنية النظام نفسه، وليس فقط قدراته العسكرية...

لذلك، جاءت الضربات العسكرية المتبادلة محسوبة بدقة، أقرب إلى رسائل القوة منها إلى محاولة تحقيق نصر حاسم، اذ أرادت واشنطن أن تثبت أنها قادرة على الضرب متى شاءت، وأرادت طهران أن تثبت أنها قادرة على الرد، من دون أن يندفع أي منهما إلى نقطة اللاعودة...

لكن ما تحقق على الأرض لا يعني أن جذور الصراع قد زالت، فالخلاف بين البلدين ليس خلافاً حدودياً يمكن حله باتفاق، بل هو صراع على النفوذ، وعلى شكل النظام الإقليمي، وعلى مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط. ولهذا فإن وقف إطلاق النار لا يعالج أصل المشكلة، بل يؤجل انفجارها...

ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة انتقال الصراع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى ساحات أكثر تعقيداً: العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والحروب السيبرانية، والعمل الاستخباراتي، إضافة إلى الصراع عبر الحلفاء والوكلاء في أكثر من ساحة إقليمية...

أما إسرائيل، فهي تنظر إلى أي تهدئة أمريكية إيرانية بعين القلق، لأنها تخشى أن تمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها الإقليمي. وفي المقابل، تسعى دول الخليج إلى تثبيت الهدوء، لأن أي مواجهة واسعة ستكون كلفتها الاقتصادية والأمنية باهظة على الجميع...

ويبقى السؤال الأهم: 
- هل انتصرت واشنطن أم انتصرت طهران؟..
الجواب أن أياً منهما لم يحقق نصراً كاملاً، فالولايات المتحدة أثبتت تفوقها العسكري، لكنها لم تكسر إرادة إيران، وإيران أظهرت قدرتها على الصمود والرد، لكنها لم تغيّر موازين القوى الاستراتيجية. لذلك خرج الطرفان من المواجهة وهما يعلنان الانتصار أمام جمهورهما الداخلي، بينما يعرف كل منهما أن الحرب الحقيقية لم تُحسم...

رأيي الشخصي أن وقف إطلاق النار ليس نهاية الأزمة، بل هو بداية مرحلة جديدة عنوانها التفاوض تحت سقف القوة، فالولايات المتحدة ستواصل سياسة الضغط لانتزاع تنازلات تتعلق بالبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، ودور إيران الإقليمي، بينما ستحاول طهران استثمار صمودها لتحسين شروطها التفاوضية وعدم تقديم تنازلات مجانية...

أما استشرافي للمشهد، فهو أن الأشهر المقبلة ستشهد هدوءاً عسكرياً نسبياً يقابله تصعيد سياسي واستخباراتي واقتصادي، مع بقاء احتمال العودة إلى المواجهة قائماً إذا انهارت المفاوضات أو أخطأ أحد الطرفين في حساباته. وفي الشرق الأوسط، لا يكون وقف إطلاق النار نهاية للصراع، بل غالباً يكون مجرد فاصلة بين فصلين من الرواية نفسها.