
عفوية الشارع السوري:
حين تتكلم الفطرة… ويصمت التكلف.
لفت الانتباه، وأثار قدرًا من الارتياح، خروج السوريين بمختلف أطيافهم وفي عدد كبير من المدن، في مظاهرات منددة بقرار الكنيست الإسرائيلي القاضي بإجازة إعدام الأسرى الفلسطينيين. لم يكن الحدث بحد ذاته هو اللافت فقط، بل طبيعته؛ إذ جاءت هذه التحركات عفوية، بلا دعوات منظمة أو توجيه مسبق، وكأنها تعبير فطري مباشر عن موقف متجذر في الوجدان الجمعي...
هذه العفوية تحديدًا هي ما يمنح الحدث معناه الحقيقي. فالفعل الذي ينبع من الداخل، دون حافز أو دفع، يعكس أصالة الانتماء وصدق الشعور، ويؤكد أن قضية فلسطين ما زالت تحتل موقعها المتقدم في وعي السوريين، بوصفها القضية المركزية بين سائر القضايا القومية...
وفي المقابل، يظهر الفارق شاسعًا بين هذا النوع من التعبير الحر، وبين الأفعال المدفوعة أو المصطنعة، التي تُفرض من الخارج أو تُحرّكها اعتبارات آنية. فالعفوية لا تحتاج إلى تبرير، ولا تسعى لإقناع أحد، لأنها ببساطة صادقة بذاتها؛ أما الفعل المدفوع، مهما بدا منظمًا أو واسعًا، فيظل فاقدًا لذلك العمق الإنساني الذي يمنح الموقف قيمته الحقيقية...
هكذا، لا تعكس هذه المظاهرات موقفًا سياسيًا فحسب، بل تكشف عن جذور حيّة، وعن بوصلة لم تنحرف، مهما اشتدت التعقيدات وتبدلت الأولويات.