
أهل الثقة أم أهل الخبرة، الوجهان السوريان للعملة نفسها:
ينسب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه منع رؤساء البلديات في تركيا من توظيف أقاربهم، لم يكن يتحدّث عن تفصيل إداري صغير، بل عن مرضٍ مزمن يضرب جسد الدولة من الداخل، تضخّم ( العائلة ) على حساب المؤسسة، وتوسّع دائرة الثقة الشخصية على حساب الكفاءة العامة، فحين تصبح الوظيفة العامة امتدادًا للروابط العائلية، تتقلّص المساءلة، ويضعف الأداء، ويتحوّل المنصب من خدمة عامة إلى ملكية خاصة مُقنّعة بالقانون...
وهنا يبرز السؤال التالي وهو :
كيف سيتقدّم المواطن الذي لا يملك ( واسطة ) إذا صارت المناصب حكرًا على الدائرة الضيقة؟ — ليس سؤالًا أخلاقيًا فقط، بل سؤال سياسي واجتماعي عن معنى الدولة ذاتها، لأن غياب تكافؤ الفرص لا يُنتج ظلمًا فرديًا فحسب، بل يقوّض الثقة بالمؤسسات، ويحوّلها في نظر الناس إلى أدوات توزيع امتيازات لا أدوات عدالة، هنا تحديدًا تصبح العبارة الشعبية ( أهل الثقة لا تضعوهم مكان أهل الخبرة ) توصيفًا دقيقًا لخلل بنيوي، فحين تُستبدل المعايير المهنية بروابط الدم والقرابة، تُفرَّغ الدولة من مضمونها...
ولو أسقطنا هذه الفكرة على العهدين السوريين — الساقط والصاعد — سنكتشف أننا أمام وجهين لعملة واحدة، مع اختلاف شكلي في الخطاب لا في الجوهر، ففي العهد الساقط، كانت المحسوبيات تُمارَس بوقاحة شبه رسمية، تعيينات على أساس الولاء العائلي والأمني والحزبي، واحتكار للمناصب والفرص داخل دوائر ضيّقة، حتى غدا ( المنصب ) امتدادًا لشبكة القرابة والزبائنية، اذ لم يكن أحد يتحدّث عن الشفافية، ولم تكن هناك محاولة لتجميل الصورة؛ الفساد كان جزءًا من اللغة اليومية للسلطة.
أما في العهد الصاعد، فالمشهد تغيّر لغويًا لا بنيويًا، فالخطاب مفعم بالكلمات الكبيرة، دولة مؤسسات، كفاءة، شفافية، تمكين، حوكمة. لكن في العمق، كثير من الممارسات ما تزال تدور في الفلك ذاته، وهو توسيع دوائر ( الثقة )الشخصية، تدوير المناصب داخل حلقات قريبة، وإعادة إنتاج الامتيازات بأسماء جديدة، وكأننا أمام عملية ( تحديث لغوي ) لآليات قديمة؛ استبدال المفردات لا استبدال المنطق...
وهنا يصبح السؤال السوري أكثر إلحاحًا:
- هل نريد فعلًا دولة مؤسسات، أم دولة شبكات؟..
- دولة يُحاسَب فيها المسؤول مهما كان اسمه ونسبه، أم دولة تُدار بمنطق ( ابن فلان أولى )؟..
لأن الفارق الحقيقي بين العهدين لن يُقاس بنبرة الخطاب ولا بعدد البيانات عن النزاهة، بل بمدى تفكيك منظومة التعيين على أساس القرابة والثقة الشخصية، وببناء مسارات واضحة وعادلة للوظيفة العامة، يستطيع عبرها المواطن الذي لا يملك واسطة أن يتقدّم على قدم المساواة.
الدرس الذي يقدّمه قرار أردوغان — بصرف النظر عن تقييم سياساته في مجالات أخرى — هو أن الاعتراف بمرض المحسوبيات ومحاولة ضبطه تشريعيًا خطوة باتجاه دولة تُدار بالقواعد لا بالأسماء. أما في سورية، فسنظل ندور في حلقة ( وجهين لعملة واحدة ) نحن ما لم نُدرك أن المشكلة ليست في العهد الذي سقط أو الذي صعد، بل في المنطق الذي بقي صاعدًا دائمًا، منطق أهل الثقة حين يُوضَعون فوق أهل الخبرة.