
الاعتراف في القانون الجزائي السوري... دليلٌ لا يقوم وحده:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية...
على ضوء الاعتراف المبوب والمرتب والذي تم حفظه والذي أدلى به المجرم (امجد يوسف) سفاح حي التضامن، حيث بدى مكشوفا بشكل مفضوح وجدت من واجبي أن أقدم رأيا قانونيا مجردا بصرف النظر عن هذا المجرم أو سواه، لأني سأتحدث قانون بعيدا عن السياسة:
للعلم اصدقائي:
فإن المنظومة الجزائية في سورية، كما استقر عليها قانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، تنطلق من مبدأ جوهري وهو:
( أن الاقتناع القضائي يجب أن يُبنى على اليقين لا على الاحتمال، وعلى مجموعة أدلة متساندة لا على عنصر منفرد مهما بدا حاسماً في ظاهره)...
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراف لا يُعامل بوصفه "دليلاً مطلقاً"، بل هو عنصر من عناصر الإثبات يخضع لتقدير المحكمة، من حيث سلامته، ودوافعه، وملابساته، ومدى توافقه مع باقي الوقائع. فليس كل اعتراف يُنتج إدانة، ولا كل اعتراف متماسك ظاهرياً يعكس الحقيقة الكاملة...
هذا:
وقد استقر الفقه والاجتهاد القضائي على أن الاعتراف إذا انفرد دون أن تؤيده أدلة مادية أو قرائن متساندة، فإنه يبقى قابلاً للتشكيك، لأن العدالة لا تُبنى على قولٍ مجرد، بل على منظومة متكاملة تكشف الصورة الكاملة للجريمة...
وفي التالي سأتعرض لخطر الاعترافات المنفردة في القضايا الجنائية، كون الخبرة القضائية تُظهر أن بعض القضايا، خصوصاً الجسيمة منها، قد تشهد اعترافات سريعة أو نمطية أو غير متسقة مع مسار الوقائع، ما يفرض على قاضي التحقيق والنيابة العامة واجباً مضاعفاً في التدقيق لا الاكتفاء...
كون الاعتراف قد يصدر لأسباب متعددة لا علاقة لها بالحقيقة:
( ضغط، حماية طرف آخر، تضليل التحقيق، أو حتى رغبة في إنهاء مسار قضائي معقد)...
لذلك فإن العدالة الجنائية الحديثة لم تعد تقبل بفكرة (الاعتراف الكافي بذاته)، بل باتت تشترط أن يُختبر هذا الاعتراف عبر:
- مطابقة الوقائع المادية في مسرح الجريمة...
- انسجامه مع التقارير الفنية والخبرات...
- عدم تعارضه مع شهادات الشهود...
- قابليته للتفسير المنطقي غير المتناقض...
لذا:
فإنه من واجب التحقيق أن يكشف الحلقة الكاملة للجريمة، لأن من أبجديات أصول المحاكمات الجزائية أن دور التحقيق لا يتوقف عند الشخص الذي يعترف، بل يمتد إلى ما وراءه، لأن الجريمة "في كثير من الحالات " ليست فعلاً فردياً بسيطاً، بل قد تكون شبكة من الأدوار: فاعل، شريك، محرّض، و متدخل...
ومن هنا، فإن الاكتفاء باعتراف شخص واحد، دون استكمال تتبع باقي حلقات الفعل الجرمي، يُعد قصوراً في التحقيق، لا يجوز أن يُبنى عليه حكم عادل، لأن العدالة لا تُجزّأ، والحقيقة لا تتجزأ أيضاً...
وهنا أنا اجنح إلى أنه في القضايا ذات الطابع العنيف أو الصادم، تميل السلطات المأزومة ربما إلى تبني رواية واحدة سريعة وقد تريد أن تظهر بزراعتها وسرعتها بنزع الاعترافات من المجرمين، إلا أن القضاء لا يعمل بمنطق الانطباع، بل بمنطق الدليل، وهنا يظهر الفارق الجوهري بين "الانطباع الاجتماعي" و"الحقيقة القضائية".
فقد يكون هناك من يظهر في الواجهة، بينما تبقى طبقات أخرى من الفعل الجرمي غير مكشوفة بعد، وهو ما يفرض على القضاء ألا يغلق الملف قبل استكمال الصورة كاملة، مهما بدا الاعتراف واضحاً أو متسارعاً...
باختصار:
إن العدالة الجزائية لا تُبنى على اعتراف منفرد، ولا على رواية واحدة مهما كانت قوية ظاهرياً، بل على بناء إثباتي متكامل يضمن الوصول إلى الفاعل الحقيقي بجميع أدواره...
ومن هنا، فإن واجب التحقيق العادل هو التثبت، لا الاكتفاء؛ والتوسع في البحث، لا الانغلاق على نتيجة مبكرة؛ لأن الخطأ في تحديد الفاعل في القضايا الجنائية لا يُعد خطأ إجرائياً فحسب، بل قد يتحول إلى إخلال جسيم بمبدأ العدالة ذاته.