--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

العدالة الانتقالية بين شعار العدالة ومأزق الانتقاء

Salah Kirata • ١‏/٥‏/٢٠٢٦

26736.png

العدالة الانتقالية بين شعار العدالة ومأزق الانتقاء:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
يطرح كثير من المواطنين اليوم سؤالاً يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالاته السياسية والأخلاقية:
-هل ستطال العدالة الانتقالية كل من تورّط في الانتهاكات والفساد خلال سنوات الحرب السورية، بغضّ النظر عن انتمائه؟..
- أم أنها ستتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم لتصفية حسابات سياسية، بحيث تُختزل في محاسبة طرف واحد فقط؟..
هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو جوهر أي عملية انتقال سياسي يُفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة، لأن العدالة الانتقالية، إذا فقدت شموليتها، تتحول من مشروع مصالحة إلى مشروع انتقام، ومن أداة إنصاف إلى وسيلة إعادة إنتاج الصراع بأدوات قانونية...
في التجارب الدولية التي خرجت من حروب أهلية أو أنظمة قمعية، لم تنجح أي عملية عدالة انتقالية عندما جرى حصر "الذنب السياسي والأخلاقي" في طرف واحد. فالحقيقة المؤلمة في معظم النزاعات أن الانتهاكات لا تُولد في فراغ، بل تتوزع بدرجات متفاوتة بين أطراف متعددة:
( سلطة، معارضة مسلحة، شبكات تمويل، أجهزة أمن، وحتى قوى محلية استفادت من حالة الفوضى)...

ومن هنا، فإن السؤال الجوهري ليس: 
-من نُحاسب؟..
بل: 
-على أي أساس نحاسب؟..
-  وبأي معيار؟..
-  ومن يملك حق تعريف الجريمة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب؟..
إن تحويل العدالة الانتقالية إلى أداة تُستخدم فقط لمحاسبة من يُصنَّفون "خصوماً سياسيين" يُفقدها شرعيتها بالكامل، كما أن تجاهل الانتهاكات التي ارتُكبت باسم الثورة أو تحت مظلتها أو في سياقها المسلح، يخلق شعوراً عميقاً بالظلم المضاد، ويعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي نفسه ولكن بصيغة جديدة...
عموماً:
المشكلة لا تكمن في مبدأ المحاسبة، بل في انتقائيته.
فالعدالة التي لا تشمل الجميع، تصبح شكلاً من أشكال إعادة توزيع النفوذ لا أكثر.
وفي الحالة السورية، تتعقد المسألة أكثر، لأن سنوات الحرب أفرزت طبقات متعددة من الفاعلين: أجهزة دولة، تشكيلات مسلحة، قوى أمر واقع، وشبكات مصالح اقتصادية نشأت في الظل، وكثير من هؤلاء انتقلوا بين المواقع، وتبدلت أدوارهم، وأحياناً تشابهت ممارساتهم رغم اختلاف الشعارات...
لذا:
إن العدالة الانتقالية الحقيقية لا تقوم على سؤال:
- "مع من كنت؟"..
 بل على سؤال ":
ماذا فعلت؟"...
ولا تكتفي بإدانة خطاب سياسي، بل تبحث في الوقائع: قتل، تعذيب، تهجير، فساد، سرقة، وابتزاز...
لكنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تتحول إلى محكمة شاملة بلا معايير واضحة، ولا إلى عملية انتقام جماعي تُدار بانفعالات المرحلة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة انتقالية هو فقدان الثقة المسبقة في نيتها، سواء من طرف يرى نفسه مستهدفاً، أو طرف يعتقد أنه فوق المساءلة...

وفي هذا السياق اختم قراءتي اعلاه بعدد من الاقتراحات للحكومة الانتقالية:
*إذا أرادت الحكومة الانتقالية أن تقطع الشك باليقين، فعليها أن تؤسس لعدالة انتقالية تُبنى على ثلاثة أسس واضحة:
- الشمول وعدم الانتقائية:
لا حصانة لأي طرف، ولا استثناء لأي انتماء سياسي أو عسكري أو أمني أو حتى ثوري. معيار الجريمة هو الفعل لا الهوية...
- هيئات مستقلة فعلياً لا شكلياً:
تشكيل لجان قضائية وتحقيقية مستقلة عن مراكز النفوذ الحالية، تضم قضاة وخبراء حقوقيين موثوقين، مع رقابة دولية أو إقليمية إذا لزم الأمر لضمان الحد الأدنى من الحياد.
- فصل العدالة عن السياسة:
عدم تحويل ملفات العدالة الانتقالية إلى أدوات تفاوض أو مساومات سياسية، لأن ذلك يُفرغها من مضمونها الأخلاقي..
- الاعتراف المتبادل بالحقيقة لا رواية واحدة:
فتح المجال لسرديات متعددة موثقة، بدل فرض رواية واحدة، لأن المجتمعات الخارجة من الحرب لا تُبنى على الإنكار بل على الاعتراف.
في النهاية، العدالة الانتقالية ليست انتصاراً لطرف على آخر، بل محاولة صعبة لوقف دورة العنف. وإذا لم تُدار بهذه الروح، فإنها ستصبح مجرد فصل جديد من الصراع، لا خاتمته.