
الاحتكار النووي في الشرق الأوسط: سردية القوة غير المكتوبة
في الشرق الأوسط، لا يبدو الملف النووي مجرد قضية علمية أو تفاوضية أو حتى قانونية. إنه، في جوهره، مرآة دقيقة لطريقة إدارة العالم لمعادلات القوة حين تتجاوز النصوص حدودها، وحين يصبح الفعل أسبق من القاعدة، والواقع أسبق من القانون.
عبر الزمن، تشكلت قناعة سياسية واستراتيجية متراكمة—سواء قيلت بصوت عالٍ أو بقيت في منطقة التحليل الضمني—مفادها أن السلاح النووي في هذه المنطقة ليس مجالاً مفتوحاً للجميع، بل مساحة محصورة عملياً، يُسمح فيها للاعب واحد أن يحتفظ بما يمتلكه، بينما تُمنع أي محاولة أخرى لبلوغ المستوى نفسه أو الاقتراب منه.
في قلب هذا التصور تقف إسرائيل كحالة نووية استثنائية. فهي تمتلك، وفق الفهم الاستراتيجي السائد، قدرة نووية غير معلنة رسمياً، لكنها حاضرة في كل حسابات الردع الإقليمي. هذا الوجود غير المُعلن، لكنه المفترض على نطاق واسع، لم يمر عبر المسار نفسه الذي يُفرض على الآخرين، بل استقر كواقع قائم خارج منظومة الضغط والتفتيش التي تُطبق على بقية دول المنطقة. وهكذا تشكلت منذ البداية معادلة غير متكافئة: قدرة نووية قائمة لا تُناقش، مقابل قدرات محتملة تُراقَب وتُقيد وتُمنع قبل أن تولد.
في المقابل، يظهر الملف الإيراني كأكثر خطوط الاشتباك حساسية. إيران تصر على الطابع المدني لبرنامجها النووي، وتقدمه في إطار الاستخدام السلمي للطاقة والتكنولوجيا. لكن هذا الخطاب يصطدم دائماً بقراءة أمنية دولية وإقليمية ترى أن البنية التقنية والتقدم في التخصيب يفتحان احتمالاً استراتيجياً يتجاوز السلمية المعلنة. وهكذا لا يعود الملف مجرد خلاف تقني، بل يتحول إلى صراع على “النية”: ما الذي يمكن أن يُبنى لاحقاً، حتى لو لم يُعلن اليوم؟
بين هذين القطبين، تتكشف سلسلة من التجارب التي تشكل ما يشبه “ذاكرة الردع النووي” في الإقليم. العراق كان أول الأمثلة الصارخة حين تم تدمير مفاعله النووي في الثمانينيات عبر عمل عسكري مباشر، في رسالة مبكرة بأن الاقتراب من العتبة النووية قد يُواجه بالقوة لا بالتفاوض فقط. سوريا بدورها دخلت هذا السياق عندما تعرضت منشأة دير الزور عام 2007 للاستهداف، وسط تقديرات بأنها كانت جزءاً من مشروع نووي في طور التشكل. أما ليبيا، فقد انتهى مسارها النووي إلى تفكيك كامل للبرنامج عبر تسوية سياسية-أمنية شاملة، أنهت المشروع قبل أن يتحول إلى قدرة فعلية.
هذه الوقائع، رغم اختلاف سياقاتها، تُقرأ ضمن نمط واحد: منع نشوء أي مركز نووي جديد في المنطقة خارج الإطار القائم. ليس عبر القانون وحده، بل عبر تداخل أدوات القوة والضغط والتدخل المباشر حين يُعتبر ذلك ضرورياً.
ومن هنا تتشكل فرضية تحليلية تتردد في خلفية كثير من القراءات الاستراتيجية: أن هناك تقاطعاً فعلياً بين قوى دولية كبرى—وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا—في تثبيت معادلة نووية غير متوازنة في الشرق الأوسط، تُمنع فيها إعادة إنتاج التجربة النووية خارج الحالة القائمة، دون أن يُعلن ذلك كسياسة مكتوبة أو اتفاق رسمي. فالنظام الدولي، في صورته العملية، لا يعمل فقط عبر المعاهدات، بل أيضاً عبر تكرار الأفعال حتى تتحول إلى قواعد غير مكتوبة.
في هذا السياق، لا يظهر مضيق هرمز كعنصر منفصل، بل كأداة ضغط ضمن مشهد أوسع. التلويح بإغلاقه أو تعطيله لا يعمل كقرار تنفيذي دائم، بل كرسالة سياسية واقتصادية موجهة إلى الأسواق والقوى الكبرى، تُستخدم في لحظات التصعيد لإعادة تموضع إيران داخل معادلة الردع. لكنه رغم ضجيجه، يبقى متغيراً تكتيكياً، بينما يبقى الملف النووي هو محور الاشتباك الحقيقي والثابت.
في النهاية، ما يتشكل في الشرق الأوسط ليس نظاماً نووياً قائماً على المساواة أو على منطق الحقوق التقنية المتكافئة، بل بنية قوة غير متوازنة تُدار بمنطق الاستثناء: استثناء يُمنح، واستثناء يُمنع، واستثناء يُقصف قبل أن يكتمل، واستثناء يُحاصر بالعقوبات والرقابة الطويلة.
قد تُصاغ هذه البنية بلغة القانون الدولي، وقد تُدار عبر المؤسسات والاتفاقيات، لكنها في جوهرها تُحسم في مكان آخر: في تكرار الفعل السياسي والعسكري، وفي تعريف من يُسمح له أن يصل، ومن يُطلب منه أن يتوقف عند العتبة، ومن لا يُسمح له حتى بالاقتراب منها.
وهكذا، لا يبدو الملف النووي في الشرق الأوسط مجرد ملف انتشار سلاح، بل قصة أعمق عن كيفية توزيع القوة في العالم، وعن المسافة الفاصلة بين ما يُقال في الخطاب الدولي، وما يُفرض فعلياً على الأرض.