
العلمانية ليست ترفاً فكرياً… بل شرط النجاة
في المجتمعات الخارجة من الحروب والانقسامات، لا يصبح السؤال الحقيقي: من يحكم؟ بل: كيف يمكن أن يعيش المختلفون معاً دون خوف؟
وهنا بالتحديد تظهر العلمانية، لا بوصفها شعاراً أيديولوجياً أو عداءً للدين كما يروّج خصومها، بل باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية الدولة من التحول إلى غنيمة طائفية، وحماية الفرد من أن يُختزل إلى انتمائه المذهبي أو الديني.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ناشئة أو خارجة من الانهيار، ليس الفقر ولا الخراب العمراني، بل انهيار الثقة بين الناس. فالمدن يمكن إعادة إعمارها خلال سنوات، أما الأرواح الممزقة بالخوف والكراهية فإعادة ترميمها قد تحتاج أجيالاً كاملة.
ولهذا فإن السلم الأهلي ليس بنداً أمنياً عابراً، بل هو أساس وجود الدولة نفسها. ولا يمكن لهذا السلم أن يستقر ما دامت مؤسسات الأمن والقضاء والإدارة تُدار بعقلية الانتماء لا بعقلية المواطنة.
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد المساجد أو الكنائس أو الشعارات المرفوعة في الساحات، بل بقدرتها على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. حين يشعر المواطن أن القانون يحميه مهما كانت طائفته أو أفكاره أو خياراته الشخصية، عندها فقط يبدأ بالانتماء إلى الدولة بدل الاحتماء بالجماعة.
إن حرية الإنسان في اختيار معتقده، أو مذهبه، أو حتى خروجه من الدين نفسه، ليست قضية فقهية لكي تُحسم بخطبة أو فتوى، بل قضية حقوق أساسية تتعلق بكرامة الفرد وملكيته لوعيه وحياته.
فالدولة التي تحمي انتقال شخص من طائفة إلى أخرى لأنها توافق مزاج الأكثرية، لكنها تقمع انتقالاً معاكساً لأنه يصطدم مع ثقافة المجتمع أو سلطة رجال الدين، ليست دولة قانون، بل دولة انتقائية أخلاقية وسياسية.
الاختبار الحقيقي لأي نظام ليس في حماية الخيارات التي يحبها، بل في حماية الخيارات التي يرفضها المجتمع نفسه.
وهذا هو جوهر العلمانية: أن تكون الدولة ضامنة للحرية لا وصية على الضمائر.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن المجتمعات المتدينة ليست بالضرورة نقيضاً للدولة العلمانية. فسنغافورة، على سبيل المثال، لم تتحول إلى واحدة من أكثر الدول استقراراً ونجاحاً لأنها ألغت الدين، بل لأنها منعت الدين من التحول إلى أداة صراع سياسي. وتركيا الحديثة، رغم كل تناقضاتها، لم تستطع بناء مؤسساتها إلا ضمن مفهوم الدولة المدنية التي تفصل بين قداسة الإيمان وإدارة السلطة.
حتى داخل التيارات الإسلامية نفسها، ظهرت شخصيات أدركت مبكراً أن الدولة الدينية بصيغتها العقائدية الصلبة ستقود حتماً إلى الاستبداد أو الحرب الأهلية. ولذلك لم يكن حديث نجم الدين أربكان أو أحمد داوود أوغلو أو حتى أردوغان في مراحل معينة عن ضرورة حماية الطابع العلماني للدولة التركية مجرد مناورة سياسية، بل تعبيراً عن فهم عميق لحقيقة أن التعدد لا يمكن إدارته بمنطق الغلبة العقائدية.
إن تحويل الخلافات المذهبية إلى مادة تعبئة يومية عبر المنابر ووسائل التواصل الاجتماعي يضع أي مجتمع على طريق الانفجار.
ولهذا فإن تجريم الخطاب الطائفي يجب ألا يكون إجراءً تجميلياً، بل سياسة صارمة تُعامل التحريض باعتباره تهديداً للأمن الوطني، لا مجرد رأي قابل للنقاش. كما أن ترك الشائعات والقضايا الاجتماعية الحساسة نهباً للفوضى الرقمية يعني عملياً تسليم الشارع لمنطق الغرائز والانفعالات.
ولا يمكن بناء جهاز أمني محترف ما لم يكن ولاؤه للدستور وحده. رجل الأمن الذي يتصرف بوصفه ممثلاً لطائفته أو عقيدته أو جماعته، لا يعود رجل دولة، بل يتحول إلى طرف في النزاع.
لهذا فإن حياد المؤسسات ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو العمود الفقري لفكرة الوطن.
إن المجتمعات التي ترفض الاعتراف بحق الفرد في الاختلاف ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القمع الدائم، أو الانفجار الدائم.
أما الدولة التي تؤمن بأن الإنسان مواطن قبل أن يكون تابعاً لطائفة، فهي وحدها القادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد.
العلمانية هنا ليست حرباً على السماء، بل حماية للأرض من أن تتحول إلى ساحة حروب باسم السماء.
وليست إلغاءً للإيمان، بل تحريراً له من التوظيف السياسي ومن احتكار المتحدثين باسمه.
وكل طريق آخر، مهما بدا عاطفياً أو شعبوياً أو منتشياً بلغة الهوية، لن يقود في النهاية إلا إلى دولة خائفة من مواطنيها، ومواطنين خائفين من بعضهم البعض.