
البخاري: الراوي أم صانع الأسطورة؟
تخيل أن كل ما تعلمته عن النبي محمد ليس سوى بناء بشري هائل، صاغه البشر عبر قرون، ثم أُلصق عليه القداسة. هذا البناء، الذي يُقدَّم اليوم كدين محفوظ، لم يكن في زمنه أكثر من مجموعة روايات جمعها رجل عاش بعد النبي بمئتي عام: البخاري.
ما يصدم العقل ليس فقط حجم ما جمعه، بل محتواه نفسه: أحاديث تحول النبي إلى بطل خارق، قادر على خرق الطبيعة، والطيران بالكائنات، وصنع الطعام من العدم، أحيانًا حتى مقتبس من الإنجيل مع تغيير الأسماء. القرآن نفسه، الذي كان البشر يقرؤونه في عصره، يقدمه ببشرية واضحة، بلا أي حسية خارقة. فجوة هائلة بين النص المقدس وما وُصف لاحقًا.
لكن السر الأكبر يكمن في السياسة: الأحاديث لم تُكتب لحفظ التاريخ أو الدين، بل لضمان سلطة الحاكم. صراع الأمويين والعباسيين أنتج روايات تبرر حكمهم، ثم جاءت مرحلة تحريك الجماهير: الجهاد، الحور العين، الشهادة… كل هذا لإرسال الفقراء إلى الموت بينما السلاطين ينامون في قصورهم. وبعدها، جاءت مرحلة ضبط المجتمع: الطاعة العمياء، السبي، العنف المبرر، كل ذلك ملفوفًا بغطاء ديني.
البخاري لم يكن مجرد جامع للحديث، بل صانع أسطورة استُخدمت لتقديس الطاعة، وخلق هالة لا تُمس، وإخفاء صراعات البشر وراء عباءة الدين. كل ما يُقدَّم اليوم كـ "إيمان مطلق" هو في الجوهر مشروع بشري لصنع السيطرة والهيبة، وليس حقيقة مقدسة.