
البرلمان القادم: بين هندسة التوازن واختبار المعنى السياسي
في المراحل الانتقالية لا تُقاس التحولات الكبرى بالشعارات، بل بطريقة بناء المؤسسات. فحين تعيد دولة ترتيب بنيتها السياسية، تصبح التفاصيل الإجرائية جزءاً من تعريف المرحلة نفسها، لا مجرد ترتيبات تقنية. ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر حول المقاعد السبعين التي يجري إعدادها ضمن الحصة الرئاسية لا يتعلق بعدد المقاعد بقدر ما يتعلق بالسؤال الأهم: أي نموذج سياسي يُراد إنتاجه؟ وأي برلمان يُراد له أن يولد؟
الرهان الحقيقي ليس في أن تضم القائمة شخصيات معروفة أو مؤثرة أو ذات حضور اجتماعي وسياسي، فذلك وحده لا يصنع تحولاً. الرهان أن تتحول هذه المقاعد إلى أداة لردم فجوات التمثيل وإدخال كفاءات أو مكونات قد لا تصل عبر المسارات التقليدية، وأن تُستخدم لتعزيز الحضور الوطني الأوسع، لا لإعادة إنتاج مراكز القوة بصورة مختلفة.
وفي التجارب الانتقالية، قد يكون هناك منطق مفهوم لمنح السلطة التنفيذية هامشاً في تشكيل جزء من المؤسسة التشريعية، بهدف منع الانقسام أو ضمان الحد الأدنى من الاستقرار أو استيعاب قوى يصعب جمعها انتخابياً. لكن هذا المنطق يبقى مشروعاً فقط ما دام يعمل على توسيع المجال السياسي لا على ضبطه.
وهنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية.
فإذا اقترب التعيين من تكوين كتلة مرجّحة أو مؤثرة بصورة حاسمة داخل البرلمان، فإن النقاش يتجاوز فكرة التمثيل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة المؤسسة نفسها. لأن البرلمان لا يكتسب شرعيته من تنوع أعضائه أو من الأسماء التي يجمعها، بل من استقلال إرادته وقدرته على إنتاج نقاش حقيقي ونتائج غير محسومة سلفاً.
التنوع الذي لا يفتح المجال لاختلاف الرأي يبقى تنوعاً شكلياً، والحضور الواسع الذي لا ينعكس على القرار يتحول إلى صورة أكثر منه ممارسة سياسية.
وفي المقابل، تبدو السلطة الانتقالية أمام اختبار دقيق. فالاختيار من خارج التنافس المباشر يمنح فرصة لتصحيح اختلالات قائمة، لكنه يفرض مسؤولية مضاعفة: لماذا اختير هذا الشخص؟ وما الذي يضيفه؟ وهل يمثل حضوراً مجتمعياً حقيقياً أم مجرد توازنات محسوبة؟ هذه الأسئلة لن تبقى معلقة طويلاً، لأن الأداء داخل المؤسسة سيكون الإجابة الوحيدة المقبولة.
المرحلة القادمة في سوريا لا تحتاج إلى برلمان يعيد إنتاج اللغة السياسية القديمة، ولا إلى معارضة شكلية أو أكثرية مضمونة مسبقاً. ما تحتاجه هو مساحة عامة جديدة تسمح بانتقال النقاش من منطق الولاءات إلى منطق السياسات؛ من سؤال: من يجلس تحت القبة؟ إلى سؤال: من يملك التأثير الحقيقي تحتها؟
ولهذا، فإن التحدي أمام السلطة الانتقالية ليس في تقديم صورة برلمان جديد أو تسويق نموذج مختلف، بل في إثبات أن هذا البرلمان يملك استقلالاً كافياً ليكون شريكاً في صناعة القرار لا امتداداً له. لأن أي تجربة سياسية تُبنى على حضور تعددي من دون قدرة فعلية على الاختلاف، قد تنجح في إنتاج المشهد، لكنها لن تنجح في إنتاج السياسة.
وعندها فقط يمكن النظر إلى التعيين بوصفه أداة عبور مؤقتة نحو حياة سياسية أوسع، لا آلية تُضعف الفكرة التي يُفترض أنها جاءت لترسيخها.