--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الدقائق الأخيرة في قلب الكلية الحربية في حمص

Salah Kirata • ٢٢‏/٢‏/٢٠٢٦

360475_20_1696531058.jpg

الدقائق الأخيرة في قلب الكلية الحربية في حمص

بعد ضحى الخامس من تشرين الاول من العام 2023، كانت الكلية الحربية في حمص تموج بالحياة والفرح، دفعة جديدة من الضباط تتلقى شهاداتها بفخر، الآباء يلتقطون الصور، الأمهات يراقبن أبنائهن بقلق وحب، والهواء مفعم بالابتسامات، والزي العسكري الرسمي يلمع تحت أضواء المساء، في مشهد يبدو وكأنه رسالة صغيرة عن الانتصار على سنوات الحرب الطويلة، على الصعوبات، على الخوف الذي يختبئ في كل زاوية من زوايا سوريا. كان الحفل انعكاسًا لكل التطلعات التي تراكمت عبر سنوات الحرب، لكل الأماني بأن الغد قد يحمل الأمان ولو للحظة، وكل الأمل بأن الشباب الذين يخرجون الآن سيساهمون في حماية بلدهم من العنف والفوضى، ومن كل التهديدات التي تتربص به في كل لحظة. كان الحفل في أوجه، وكان الضحك والمصافحات يغطيان على كل الخوف الذي يختبئ في الزوايا، على أصوات الطائرات البعيدة التي اعتاد السوريون سماعها في أجوائهم منذ سنوات، على الحذر الدائم من أن الحرب لا تعرف الرحمة، ولا تعترف بالفرح البشري، ولا تمنح الأمان لأي مكان أو لحظة.

لكن الحرب كانت دائمًا حاضرة، لا تهدأ، ولا ترحم، وفي اللحظة التي كان فيها العالم يحتفل بالحياة، كانت خطة الموت قد اكتملت بعناية. دقائق قبل أن يعلن الانفجار عن نفسه، وقف وزير الدفاع السوري، العماد علي محمود عباس، مبتسمًا وسط كبار القادة، يصافحهم ويحيّيهم، بينما يقترب ضابط استخبارات بخطوات خفيفة ويهمس في أذنه عن تقرير مبهم عن تهديد محتمل، لم يكن مؤكّدًا، لكنه كافٍ ليزرع الخوف. ابتسم الوزير بخفة وقال لنفسه: “الحياة دائمًا تختبرنا، اليوم أو غدًا…” ثم غادر المكان، ببطء، نحو خيمة الاجتماعات المغلقة، قبل دقائق فقط من الدقائق التي ستقلب الاحتفال إلى جحيم، قبل أن تتحول الضحكات والفرح إلى صراخ وفزع، قبل أن تصبح الأرض تحت الأقدام ساحة للدماء والفوضى والدمار.

وفجأة، دوي انفجار رهيب هز الأرض، صرخات وصدى الدم والفزع ملأ المكان، الطائرات المسيرة اخترقت صفوف المدعوين، مستهدفة الضباط الجدد، الأهالي، النساء، والأطفال. تحطمت الكراسي والزجاج، وعمّت الفوضى، وانسكب الدم في الساحة التي كان من المفترض أن تكون رمزًا للفرح والفخر. العائلات تبحث عن أبنائها، الضباط يتقاطعون في حيرة وفزع، والدخان والبارود يملأ الجو، والرائحة المميزة للمأساة تطغى على كل شيء. الوزير بعيد، لم يُصب، لكن المئات سقطوا، بين قتلى وجرحى، وعالم بأسره شاهد الصدمة دون أن يعرف من يقف خلف هذا الهجوم، أو كيف حدث الانسحاب الدقيق للقيادات قبل دقائق من الدقائق القاتلة.

تحليل الوقائع يشير إلى احتمالات محددة. هناك فصائل المعارضة المسلحة في الشمال، التي اكتسبت خبرة في استخدام الطائرات المسيرة، وربما أرادت توجيه ضربة معنوية مباشرة للنظام، لإظهار أن لا أحد في مأمن حتى في لحظات الاحتفال، حتى في لحظات يبدو فيها الأمان مكتملًا. وهناك احتمال أن يكون الهجوم من تنفيذ شبكة خلايا هجومية صغيرة، مدعومة استخبارياً، تمتلك معلومات دقيقة عن جدول الحفل وقدرة على تشغيل الطائرات المسيرة، وربما وصولًا إلى خرق أمني محدد داخل شبكة الاتصالات المحلية، ما يفسر دقة التوقيت واستهداف كبار القادة والأهالي، وقدرة الهجوم على اختراق الإجراءات الأمنية المفروضة. وهناك أيضًا السيناريو الإقليمي الأعمق، الذي يشير إلى إمكانية وجود دعم استخباراتي خارجي، لاختبار قدرات جديدة، وإرسال رسائل سياسية، وخلق توتر داخلي، وضغط على النظام السوري، واختبار ردوده الاستراتيجية، ما يضع الهجوم في قلب لعبة استخباراتية وإقليمية معقدة، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل الصراعات وتتزاحم الأهداف على المستوى السياسي والعسكري والأمني، مما يجعل الحادثة ليست مجرد هجوم عسكري، بل رسائل متشابكة على أكثر من مستوى.

الغاية من هذا الهجوم كانت متعددة وواضحة لمن يقرأ الوقائع بعين التحليل الدقيق. أولًا، ضربة معنوية مباشرة للنظام، استهداف حفل تخريج دفعة جديدة يرسل رسالة واضحة بأن لا أحد بمنأى عن الموت، وأن حتى لحظات الفرح العسكري لا تضمن الأمن، وأن أي شعور بالأمان يمكن أن يتحول إلى كابوس خلال ثوانٍ. ثانيًا، اختبار تكتيكي وتكنولوجي، استخدام الطائرات المسيرة يعكس تصعيدًا في الحرب غير التقليدية، واختبار قدرة تنفيذ الهجمات في أعماق مناطق النظام، والتأكد من أن القوى الأمنية غير قادرة على منع هذا النوع من الهجمات في المستقبل، وأن هناك فجوات تكتيكية وتقنية يمكن استغلالها من قبل الخصوم. ثالثًا، تصعيد استراتيجي داخلي وإقليمي، إرسال إشارات للضغط على النظام، وخلق توتر داخلي، وربما اختبار ردود الفعل على مستوى القرار العسكري والسياسي، وفي هذا السياق يصبح الانسحاب الدقيق لوزير الدفاع قبل دقائق من الانفجار مؤشرًا على وجود معلومات استخباراتية دقيقة، أو ربما تداخل أمني داخلي، أو حتى تسرب استخباراتي، أدى إلى إنقاذ كبار المسؤولين، بينما لم تنقذ مئات الأرواح، تاركة أثرًا مزدوجًا من الفقدان والمعاناة والغضب.

هكذا تحولت الساحة إلى مشهد مأساوي، بين صرخات وعويل ودماء، بينما العالم يشاهد المأساة دون أن يعرف المسؤول الحقيقي، ودون أن يدرك أن الحرب لم تعد تقتصر على الجبهات، بل وصلت إلى الاحتفالات، إلى الفرح، إلى كل لحظة قد تعطي النظام شعورًا بالأمان. وفي قلب هذا الصراع، كانت رسالة صادمة للنظام: لا أحد في مأمن، حتى في أسعد اللحظات، حتى في أقدس الطقوس العسكرية، حتى في ضحكات الضباط الجدد وعائلاتهم، التي لم تكمل ساعة واحدة قبل أن تتحول إلى صرخة من الألم والفقدان والدمار. الوزير نجا، لكن المئات لم يفعلوا، تاركين وراءهم صرخة لا تُنسى، دماء محفورة في التاريخ، وأثرًا تراجيديًا يتكرر في صمت المساء، حيث الحرب لا تهدأ، والتهديد يمتد، والموت يقترب دائمًا، حتى من أقدس الأماكن، وكل لحظة يمكن أن تكون النهاية أو بداية مأساة جديدة، كل لحظة فيها تداخل المصالح، وتعقيدات الاستخبارات، والأهداف الإقليمية، والفوضى التي تنتظر أي فرصة لتخرج إلى العلن، تاركة أثرًا أبديًا في ذاكرة من عاشوا الحادثة، وفي ضمير كل من يتابع الحرب السورية عن قرب، حيث لا أحد ينسى، ولا أحد يشفى من وقع الدماء والصراخ والدمار.