
الدولة الحديثة وخطر الكيانات الموازية: قراءة في الواقع السوري
تقوم الدولة الحديثة على مبدأ جوهري بسيط لكنه حاسم: احتكار السلطة والقوة داخل حدود جغرافية محددة، بحيث تكون المرجعية الوحيدة في تنظيم حياة المجتمع هي القانون الصادر عن مؤسساتها الرسمية. وعندما يختل هذا المبدأ، لا تعود المشكلة مجرد تعدد في الفاعلين، بل تبدأ عملية تفكك تدريجي لفكرة الدولة نفسها.
فأي كيان ينشأ خارج مؤسسات الدولة، ويملك قدرة على فرض إرادته بالقوة أو التأثير أو التنظيم المستقل، يتحول مع الوقت إلى سلطة بديلة، حتى لو بدأ تحت شعارات الدعم أو الحماية أو سدّ الفراغ. التجربة التاريخية تثبت أن تعدد مراكز القوة داخل الدولة الواحدة لا يقود إلى التوازن، بل غالبًا إلى الصدام أو الانقسام أو انهيار المنظومة المركزية.
ولا يقتصر خطر الكيانات الموازية على البعد العسكري فقط، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والفكري والديني، حين تتحول بعض التنظيمات أو الشبكات إلى مرجعيات بديلة للدولة في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك. عندها تصبح المواطنة نفسها عرضة للتفكك، إذ تتقدم الولاءات الجزئية على الانتماء الوطني الجامع، ويصبح الفرد مرتبطًا بجماعة أو بيئة أو تنظيم أكثر من ارتباطه بالدولة.
في الحالة السورية، تظهر هذه الإشكالية بصورة واضحة ومعقدة. فسنوات الحرب الطويلة لم تؤد فقط إلى تآكل البنية المؤسسية للدولة، بل أفرزت واقعًا تتعدد فيه مراكز القرار على الأرض. نشأت تشكيلات مسلحة مختلفة، وتوسعت سلطات أمر واقع، وتداخل النفوذ المحلي والإقليمي والدولي، حتى باتت الجغرافيا السورية موزعة بين سلطات متعددة تختلف في مرجعياتها وأدواتها.
ومع هذا التشظي، لم يعد التحدي مقتصرًا على استعادة السيطرة الجغرافية، بل أصبح أعمق من ذلك بكثير: استعادة وحدة مفهوم الدولة ذاته. فبعض الكيانات التي نشأت خلال الصراع لم تكتفِ بالدور الأمني، بل طورت هياكل إدارية وخدمية وتعليمية وقضائية، ما أدى إلى تكريس واقع مؤسسات موازية، لكل منها قواعدها ومنطقها وولاءاتها.
هذا الوضع أنتج إشكالية خطيرة تتعلق بالمواطنة، إذ لم يعد المواطن السوري مرتبطًا بإطار دولة واحد موحد، بل أصبح يتعامل مع سلطات متعددة، لكل منها تعريف مختلف للحقوق والواجبات والانتماء. ومع الوقت، تراجعت فكرة الدولة الجامعة لصالح هويات فرعية متنافسة أو متجاورة.
إن أخطر ما في هذه الحالة ليس فقط تعدد القوى، بل ترسخها داخل المجتمع بحيث تصبح بدائل وظيفية للدولة، تقدم الأمن أو الخدمات أو التنظيم، لكنها في المقابل تعيد تشكيل الانتماء على أسس غير وطنية جامعة. وهنا يصبح إعادة بناء الدولة مهمة تتجاوز السياسة والأمن، لتصل إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي نفسه.
فاستعادة الدولة السورية، في جوهرها، لا تعني فقط توحيد المؤسسات أو إعادة انتشار السلطة، بل تعني تفكيك منطق الكيانات الموازية وإعادة إنتاج فكرة الدولة كمرجعية وحيدة للقانون، بحيث يعود الولاء العام إلى إطار واحد جامع، لا إلى سلطات متعددة متنازعة.
وفي النهاية، تبقى الدولة المدنية الحديثة هي الإطار الوحيد القادر على استيعاب التعدد دون أن يتحول إلى انقسام، وعلى إدارة الاختلاف دون أن يسمح له بأن يصبح صراعًا على أصل الدولة ذاتها.