
الدولة بين الفساد البنيوي و”تطنيش” السلطة: حين يتحول الحكم إلى إدارة للانهيار
تتناول كثير من التحليلات الأزمة السورية عبر عناوينها الكبرى المعروفة: الحرب، العقوبات، وتدهور الاقتصاد والبنية التحتية. لكن هذه الزوايا، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير العمق الحقيقي للانهيار المعيشي الذي يعيشه السوريون اليوم. فهناك عامل أكثر رسوخًا وخطورة يعمل في الظل، يتمثل في تمدد الفساد داخل بنية الدولة حتى أصبح جزءًا من آلياتها اليومية وليس مجرد انحراف عنها.
المشكلة لم تعد في حالات فساد فردية أو تجاوزات معزولة، بل في تحول الفساد إلى نمط إدارة متكامل يقوم على المحسوبية وتقديم الولاء على الكفاءة. فحين تُسند المواقع الحساسة لأشخاص بناءً على القرب لا على الجدارة، تتحول المؤسسات تدريجيًا إلى هياكل شكلية تفقد قدرتها على أداء وظيفتها العامة، وتصبح أقرب إلى أدوات خدمة لمراكز النفوذ بدل أن تكون أجهزة دولة بالمعنى الحقيقي.
الأخطر من ذلك أن هذا الواقع لا يبدو خارج السيطرة بالكامل، بل يتغذى على ما يمكن تسميته بسياسة “التجاهل المتعمد”. فبدل مواجهة الاختلالات، يتم التعامل معها بصمت يفتح المجال أمام تمدد شبكات المصالح، وكأن الرسالة غير المعلنة هي أن الولاء يوفر الحماية، وأن التجاوزات يمكن أن تُدار بالصمت لا بالمحاسبة. ومع الوقت، يتحول هذا النهج إلى بيئة خصبة لتآكل هيبة الدولة من الداخل، حيث يصبح الفساد جزءًا “مقبولًا” من قواعد اللعبة.
هذا المسار أدى أيضًا إلى تشكل اقتصاد غير رسمي تحكمه العلاقات الشخصية أكثر من القوانين. ففرص العمل والاستثمار لم تعد مرتبطة بالكفاءة أو الجدوى، بل بالقدرة على الوصول إلى دوائر النفوذ. وفي ظل هذا المناخ، تتراجع ثقة المستثمرين وتهاجر الكفاءات، لأن بيئة العمل لم تعد تمنح فرصًا حقيقية للنجاح القائم على الاستحقاق، بل على شبكة العلاقات.
ومع استمرار هذا الواقع، تتعمق الفجوة بين المواطن والدولة. فحين يرى الناس أن الثروات العامة تُدار بشكل غير عادل، بينما تتدهور الخدمات الأساسية، يتآكل الشعور بالانتماء والثقة. عندها لا يعود المواطن شريكًا في مشروع وطني، بل يتحول إلى مراقب ساخط أو منسحب من الفعل العام، وهو ما يضعف الأساس الذي تقوم عليه أي دولة مستقرة.
في المحصلة، لا يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي دون إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشفافية والعدالة وسيادة القانون. فإعادة الإعمار ليست مجرد مشاريع عمرانية أو اقتصادية، بل هي أولًا إعادة تأسيس للثقة المفقودة. وبدون إرادة سياسية حقيقية لكسر منطق “التطنيش” ومواجهة الفساد كخلل بنيوي لا كحوادث فردية، ستبقى أي محاولات للنهوض محدودة، وستظل الدولة عرضة للتحول إلى غنيمة تُدار بدل أن تكون كيانًا يخدم الجميع.