
الأقلية والأغلبية في سورية :
هذا مفهوم طارئ ووظيفة تدميرية
لم تعرف سورية، عبر تاريخها الاجتماعي والسياسي الطويل، مفهوم ( الأقلية والأغلبية ) بالمعنى الذي يُتداول اليوم، لا كثقافة عامة ولا كبنية وعي جماعي، فقد كان المجتمع السوري، على تعقيد نسيجه الديني والإثني، يُدار تاريخيًا بمنطق التعدد الطبيعي، لا بمنطق الفرز العددي أو الهويّاتي الصدامي. الانتماءات كانت موجودة، نعم، لكنها لم تكن سلاحًا سياسيًا، ولم تُختزل الدولة أو المجتمع من خلالها...
هذا المفهوم الطارئ لم يبدأ بالتكوّن فعليًا إلا مع نهاية السبعينات وبدايات الثمانينات، في لحظة شديدة الخطورة من تاريخ سورية الحديث، تزامنت مع تحركات ماسمي ( الطليعة المقاتلة )، تلك المجموعة المتطرفة المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، والتي دشّنت نهج العنف الأعمى بجريمة العدوان الغاشم على كلية مدفعية الميدان، حيث كانت تلك الجريمة لحظة كسر كبرى، ليس فقط على مستوى الدم، بل على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي، إذ فُتح الباب واسعًا لتحويل المجتمع السوري من مجتمع مواطنين إلى كتل هويّات متقابلة، خائفة، ومُستَخدَمة...
ربما – بل على الأرجح – فقد استثمر حافظ الأسد تلك الجريمة استثمارًا سياسيًا كاملًا، ليُكمل ما كان قد بدأ به منذ أواسط الستينات بما وصف لاحقا بعلونة الجيش أولًا، ثم علونة الدولة بكل مفاصلها لاحقًا، فبعد مجزرة كلية المدفعية، تراجع الانتماء الوطني والسياسي لصالح الولاء الشخصي والأمني، وتعطّل الحزب عمليًا، لا بإلغائه، بل بإفراغه من أي معنى، وتحويله إلى أداة رخيصة وبشعة للاستثمار السلطوي، اذ لم يعد الحزب إطارًا سياسيًا، بل واجهة شكلية لسلطة أمنية – عائلية تتغذى على الخوف، وتُعيد إنتاجه...
نحن، كسوريين، عانينا الكثير – بل الكثير جدًا – من نتائج هذا المسار، لقد عانينا من تحويل الدولة إلى غنيمة، ومن تحويل المجتمع إلى حقل اشتباه، ومن زرع الشك بين الناس على أساس طائفي أو مذهبي أو إثني. ولذلك، فإننا اليوم وبالأمس وبالغد ندحض ونستنكر مفهوم ( الأقليات ) من أساسه، ونخاصم – حد القطيعة الفكرية والأخلاقية – كل من يبني عليه أو يتحرك من خلاله لضرب سورية، فهذه البلاد لا نراها إلا واحدة، أرضًا وشعبًا ومصيرًا...
وفي الوقت ذاته، نحن لا نمنح صكوك براءة لأحد، بل سنبقى نخاصم، وبشكل عقلاني ومسؤول، الحكومة الانتقالية الحالية، إلى أن تمضي بوضوح كامل، وبدون أي مواربة أو التفاف، نحو الدولة المدنية الديمقراطية، ولة تُحَلّ فيها روح المواطنة الحقيقية محل أي ادعاء، ومحل أي شعور بالمظلومية المبنية على الهوية الضيقة...
فالمظلومية، حين تُفصل عن السياسة والحقوق والقانون،تتحول إلى أداة ابتزاز وتفتيت، لا إلى مدخل للعدالة...
سورية لن يُعاد بناؤها بمنطق الأقليات والأكثريات على أساس العرق أو الدين، هذا طريق مسدود، أثبت فشله ودمويته، فسورية لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس سياسي مدني، عبر قوى سياسية واضحة البرامج، وقوى مدنية ومجتمعية ونقابية حرة، تتنافس في الفضاء العام، لا في المتاريس الهويّاتية...
الأكثرية والأقلية الوحيدة التي نحتاجها هي أكثرية تؤمن بالدولة، وأقلية تعارضها سياسيًا ضمن القانون، ما عدا ذلك، ليس سوى إعادة تدوير للكابوس نفسه، بأسماء جديدة وأدوات مختلفة