
الحرب التي أعادت اكتشاف الدولة:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
في التاريخ الحديث، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه في أوقات الرخاء، بل بما تستطيع الحفاظ عليه عندما تُغلق الأبواب من حولها. فالأزمات الكبرى، مهما كانت قاسية، تتحول أحيانا إلى اختبار يكشف حقيقة البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدول، ويُظهر ما إذا كانت تعتمد على قدراتها الذاتية أم على ما يوفره لها الخارج.
من هذه الزاوية يمكن فهم التحولات التي شهدتها روسيا خلال السنوات الأخيرة. فالدولة التي وُضعت تحت واحدة من أوسع منظومات العقوبات في التاريخ الحديث لم تنهَر كما توقع خصومها، بل دخلت في مسار مختلف فرض عليها إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت اقتصادها وعلاقاتها الدولية لعقود.
كانت الفرضية الغربية تقوم على أن العزلة الاقتصادية ستؤدي تدريجيا إلى إنهاك موسكو، وأن قطع سلاسل التوريد والتمويل والتكنولوجيا سيضعف قدرتها على الاستمرار. لكن ما حدث كان أكثر تعقيدا من تلك الحسابات. فحين أُغلقت أسواق وطرق تمويل تقليدية، اضطرت الدولة إلى البحث عن بدائل داخلية وخارجية، وإلى إعادة إحياء قطاعات كانت تعاني من الإهمال أو المنافسة الأجنبية الشرسة.
في مثل هذه الظروف، لا يعود خيار الاكتفاء الذاتي مجرد شعار سياسي، بل يتحول إلى ضرورة وطنية. فالمصانع التي كانت تعتمد على الواردات تصبح مطالبة بإنتاج البديل، والجامعات ومراكز الأبحاث تجد نفسها أمام مسؤولية توفير الحلول التقنية، فيما تتجه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية التي تضمن الاستقلال الاقتصادي وتخفف الاعتماد على الخارج.
ولعل أهم ما تكشفه التجربة أن العقوبات لا تؤدي دائما إلى النتائج التي يرغب بها من يفرضها. فهي قد تضعف دولة ما إذا كانت تفتقر إلى الموارد أو الإرادة أو المؤسسات القادرة على التكيف، لكنها قد تدفع دولة أخرى إلى تطوير قدراتها المحلية وإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية. وفي هذه الحالة تتحول الضغوط الخارجية، من حيث لا يريد أصحابها، إلى عامل تحفيز داخلي.
هذا لا يعني أن الحرب مكسب أو أن العقوبات نعمة. فالحروب تترك أثمانا إنسانية واقتصادية باهظة، وتستنزف المجتمعات والدول. غير أن بعض الدول تستطيع تحويل جزء من هذا الضغط إلى فرصة لإعادة البناء، خصوصا عندما تمتلك قاعدة صناعية، وموارد طبيعية واسعة، وكفاءات علمية قادرة على الابتكار.
ومن العوامل الحاسمة في هذا التحول أن أوقات الخطر تدفع الحكومات إلى مراجعة آليات الإدارة والرقابة. ففي الظروف الاستثنائية يصبح الأداء معيارا أكثر أهمية من العلاقات الشخصية أو الحسابات البيروقراطية، وتزداد الحاجة إلى أصحاب الخبرة والكفاءة القادرين على اتخاذ القرار وتحقيق النتائج.
كما أن الصراعات الكبرى تعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والسياسية. فالدول التي كانت تدور في فلك منظومة واحدة تبدأ بالبحث عن شركاء جدد وأسواق جديدة ومسارات مختلفة للتجارة والاستثمار. وهكذا تظهر شبكات تعاون بديلة، وتتراجع هيمنة بعض المراكز التقليدية لصالح مراكز أخرى صاعدة.
في المقابل، كشفت السنوات الأخيرة أن القوة الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الأسواق المالية أو بقيمة الأسهم المتداولة في البورصات. فالاختبار الحقيقي يبقى في القدرة على الإنتاج، وفي امتلاك التكنولوجيا والصناعة والطاقة والغذاء. وعندما تتعرض الدول لهزات كبرى، تتبين الفروق بين الاقتصاد القائم على المضاربات والاقتصاد القائم على العمل والإنتاج.
لهذا تبدو التجربة الروسية بالنسبة لكثير من المراقبين مثالا على أن الدول قد تكتشف نفسها من جديد تحت الضغط. فبدلا من أن تؤدي المواجهة إلى الانهيار كما توقع البعض، دفعت إلى تسريع البحث عن بدائل وطنية، وإلى تعزيز العلاقات مع شركاء جدد، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة السيادة الاقتصادية.
وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم أن الأزمات لا تصنع القوة من العدم، لكنها تكشف ما إذا كانت القوة موجودة أصلا. فالدولة التي تمتلك الموارد والمؤسسات والإرادة تستطيع أن تحول التحدي إلى فرصة، أما الدولة التي تفتقر إلى هذه العناصر فإن الضغوط الخارجية لا تفعل سوى تعجيل أزماتها الداخلية.
وهكذا تبقى الحروب، رغم مآسيها، مرآة قاسية تكشف حقيقة الدول: من يعتمد على ذاته، ومن يعيش على ما يصنعه الآخرون.