
الحرية التي تُولد في الداخل
يرى الإنسان أحياناً أن الناس يحرصون على إحكام الحماية على ممتلكاتهم وأبواب بيوتهم وكل ما يملكونه من أشياء، بينما يتركون أعماقهم مفتوحة لكل فكرة فاسدة، ولكل نية سيئة، ولكل شهوة تجرّهم إلى الانحدار. والحقيقة أن من لا يقدر على تحرير ذاته من الداخل، يظل عاجزاً عن حماية نفسه من تأثير الآخرين أو شرورهم.
إن الحرية الحقيقية لا تُختبر في القيود الخارجية، بل في قدرة الإنسان على أن يبقى ثابتاً حتى وهو محاصر. فقد كان سقراط في سجنه مثالاً للحرية، حين واجه الموت بثبات وهدوء، بينما كان آخرون خارج الأسوار أسرى رغباتهم وملذاتهم دون أن يشعروا.
ومن هنا أدركت أن الحرية ليست مساحة نمنحها لأنفسنا في العالم، بل حالة نصنعها في داخلنا. وأن أكثر الناس فقراً هم أولئك الذين يحيطون حياتهم بجدران كثيرة، بينما هم في الحقيقة بلا حصانة داخلية. وأن أشد أشكال العبودية هي تلك التي يمارس فيها الإنسان سلطة على غيره وهو في جوهره عبدٌ لهواه. كما أن الأمم لا تُقاس بقوتها العسكرية أو بعدد أسلحتها، بل بمدى وعيها بذاتها؛ فكم من قوةٍ ظاهرها عظيم، وهي من الداخل واهنة، وكم من أمة تتوهم أن حريتها تُمنح لها أو تُنتزع منها كما لو كانت هبة من الخارج.
لهذا، لم أعد أصدّق الشعارات التي تُرفع باسم الحرية، لأن الحرية التي لا تبدأ من الداخل ليست إلا صدى فارغاً.