
في صباحٍ بارد من ٢٤ كانون الثاني ١٩٦٥، كانت دمشق تستيقظ على خبرٍ سيهزّ أروقة السلطة وأجهزة الأمن معًا...
السلطات السورية تعلن إلقاء القبض على أخطر جاسوس عرفته البلاد: إيلي كوهين… أو كما كان يعرفه الجميع هنا : كامل أمين ثابت.
الاسم كان سوريًا، اللهجة متقنة، العلاقات واسعة، لكن القصة بدأت قبل ذلك بسنوات، بعيدًا عن دمشق...
وُلد إيلي كوهين في مصر، لعائلة يهودية أصولها من مدينة حلب، هاجرت إلى القاهرة في أواخر القرن التاسع عشر، شقيقه موريس يروي أن والدته كانت تُدعى صوفي، وحامت حول اسمها شائعات كثيرة، أخطرها أنها كانت زوجة والد جمال عبد الناصر، شائعات لم تُثبت يومًا لكنها أضافت طبقة كثيفة من الغموض حول الرجل...
في مطلع الخمسينيات، كان كوهين قد دخل عالم الظلال، بعد ان
انضم إلى خلية لافون التي نفذت تفجيرات استهدفت مصالح يهودية في مصر، ليس بدافع العداء، بل بهدف دفع اليهود إلى الهجرة نحو فلسطين، فأُلقي القبض عليه عام ١٩٥١، لكنه خرج لاحقًا بعفوٍ مباشر من عبد الناصر، ليختفي عن الأنظار…
قبل أن يعود باسمٍ جديد وحياةٍ جديدة، وعندما وصل إلى دمشق، لم يدخلها متسللًا، بل رجل أعمال وطني ظاهريًا...
استأجر شقة في بناية قطب خلف داما روز – حاليًا – بجانب قصر الضيافة القديم، عاش هناك بصفة كامل أمين ثابت، دون أن ينال الجنسية السورية، ودون أن ينتسب إلى حزب البعث، ودون أن يُكلّف بأي منصب رسمي، رغم كل ما قيل لاحقًا...
كان يعرف كيف يفتح الأبواب،
نسج علاقات وثيقة مع معزّى وخليل، أولاد أخت قائد الجيش عبد الكريم زهر الدين، واقترب من دوائر حساسة دون أن يترك أثرًا رسميًا واحدًا يورطه… إلى أن تدخلت الصدفة...
لم يكن سقوطه نتيجة عملية استخباراتية دولية، ولا تعاون خارجي، بل خطأ صغير في لعبة كبيرة...
القبض عليه تم على يد الفرع ٢١١ التابع لشعبة المخابرات العسكرية، وبمحض الصدفة، لا أكثر...
لا دور مصري، لا رأفت الهجان، لا شبكة إنقاذ، ولا خيانة من الداخل كما تحب الروايات المتأخرة أن تروي...
جلسة محاكمته لم تكن خلف أبواب مغلقة، انعقدت في المسرح العسكري، في المكان الذي يقوم فيه اليوم نادي الضباط الجديد...
وهناك، انتهت اللعبة، وسقطت الأسطورة، وبقيت الحقائق الجافة...
لم يكن إيلي كوهين عضوًا في الحكومة السورية، لم يكن بعثيًا،
لم يكن سوري الجنسية، ولم تجمعه بالفريق أمين الحافظ أي علاقة تتجاوز المعرفة العابرة...
و كل ما عدا ذلك… صناعة خيال...
صورة نادرة ل ايلي كوهين في مصر مع والدته صوفي.