
الجهل المُدار: حين تتحول المعرفة إلى ساحة صراع خفي...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
لم يعد الجهل في العالم المعاصر مجرد غياب للمعلومة، كما كان يُتصوَّر في الفهم التقليدي، بل أصبح – في كثير من الحالات – نتيجة بنية معقّدة من إنتاج المعلومات، وإعادة تشكيلها، وتوجيه إدراك الناس ضمن مسارات محددة. نحن أمام عالم لا تُخفى فيه الحقائق دائماً، بل تُغمر أحياناً بفيض من روايات متداخلة تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة من غيابها...
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع فكرة “صناعة الجهل” بوصفها نظرية مغلقة أو مؤامرة مركزية تُدار من غرفة واحدة، بل ينبغي فهمها كمنظومة واسعة من الأدوات والآليات التي تتقاطع فيها السياسة بالإعلام، والاقتصاد بالمعرفة، والتكنولوجيا بالوعي الجمعي...
الخطورة لا تكمن في وجود كيان واحد “يصنع الجهل”، بل في أن بيئة العصر الحديث نفسها أصبحت قابلة لإنتاج هذا النوع من الالتباس بشكل مستمر، دون حاجة إلى تخطيط شامل أو قيادة موحدة. فالمعلومة اليوم تُنتَج بكثافة هائلة، لكن الوصول إلى المعنى الحقيقي لها يتطلب قدرة متزايدة على التمييز النقدي، وهو ما لا يتوفر دائماً لدى الأفراد أو المجتمعات...
لقد تطورت أدوات التأثير في الرأي العام من الخطاب السياسي المباشر إلى آليات أكثر تعقيداً:
- الإعلام لم يعد ينقل الحدث فقط، بل يعيد صياغته.
- والمنصات الرقمية لم تعد تعرض المعلومات بترتيب محايد، بل وفق خوارزميات تحدد ما يُرى وما يُخفى.
- والخطاب العام لم يعد يعتمد على الحقيقة وحدها، بل على قدرتها على المنافسة داخل سوق الانتباه.
في مثل هذا السياق، يصبح “الجهل” نتيجة تراكمية، لا قراراً مباشراً. إنه حصيلة تفاعل بين وفرة معلومات غير منضبطة، وانحيازات بشرية طبيعية، ومصالح مؤسساتية تعمل ضمن منطق الربح والنفوذ والتأثير.
لكن الأخطر من ذلك هو :
أن المجتمعات نفسها قد تدخل في حالة قبول غير واعٍ لهذا التشوش، فتتعامل مع المعلومات بوصفها مواد للاستهلاك لا أدوات للفهم. وهنا يتحول المواطن من باحث عن الحقيقة إلى متلقٍ لسرديات جاهزة، تتبدل بسرعة لكنها تبدو مقنعة في لحظتها...
ومن الخطأ أيضاً اختزال قابلية التأثر بالمعلومات المضللة في طبقة اجتماعية أو فئة بعينها. فالتاريخ الحديث يُظهر أن الانحياز الإدراكي لا يميز بين غني وفقير، أو متعلم وغير متعلم. الفارق الحقيقي يكمن في أدوات التحليل النقدي، وفي مدى وجود بيئة تعليمية وإعلامية تشجع على السؤال لا على التلقين...
كما أن تفسير العداوات بين الشعوب أو الصراعات الكبرى باعتبارها نتاج “خطة واحدة” يتجاهل تعقيد التاريخ ذاته. فالصراعات غالباً ما تنشأ من تراكمات طويلة، ثم يتم تضخيمها أو توظيفها من أطراف متعددة، كلٌ وفق مصالحه، وليس بالضرورة وفق مخطط مركزي متماسك كما قد يُتصور في بعض القراءات التبسيطية...
إن ما نواجهه اليوم ليس “جهلاً مُنتَجاً” بالمعنى الحرفي، بل بيئة معرفية مضطربة، تتنافس فيها الحقائق مع التأويلات، والمعلومة مع الانطباع، والتحليل مع الخطاب العاطفي. وفي هذه البيئة، يصبح الوعي النقدي ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً للبقاء خارج دوائر التوجيه غير المرئي...
في النهاية:
المعركة الحقيقية في عصرنا ليست بين معرفة وجهل، بل بين وعي يحاول أن يفهم التعقيد كما هو، وسرديات مبسطة تقدم راحة فكرية سريعة على حساب الدقة. وبين الاثنين، تتشكل طريقة إدراك المجتمعات للعالم، ولموقعها داخله، ولحدود ما يمكن أن تعتبره “حقيقة”.