
المرشد الغائب وإيران بين الوهم والواقع المنكسر
إيران اليوم على مفترق طريق. القيادة العليا، ممثلة بالمرشد الأعلى الجديد، تبدو وكأنها اختفت من الوجود، لا يظهر وجهه على الشاشات، ولا يلقي خطابًا مباشرًا لجمهوره، ولا يلتقي بأي مسؤول أو حتى شخصية عامة. كل ما نسمعه عنه مجرد تصريحات ناقلة، رسائل منقولة عبر وسطاء عن "فلان وعلان"، دون أن يكون لنا أي دليل على حضوره الفعلي أو تأثيره المباشر. هذا الصمت الغريب لا يعكس مجرد أسلوب سياسي، بل يكشف هشاشة القيادة أمام تحديات الداخل والخارج، وكأن السلطة العليا فقدت قدرتها على مواجهة الواقع بكل جرأة ووضوح.
وفي الوقت نفسه، يواجه النظام الإيراني انهيارًا ملموسًا في قوته العسكرية. أسطولها البحري والجوي لم يعد موجودًا كما كان، وأغلقت الكثير من ثكناتها ومواقعه العسكرية، سواء المعلنة أو السرية، أبوابها بعد أن أصبحت أهدافًا سهلة للضربات الدقيقة. ما تبقى في ترسانة إيران لا يتجاوز الصواريخ والطائرات المسيرة، وهي أدوات محدودة، محدودة جدًا، أمام قوة عسكرية متفوقة تفرض معادلات جديدة على المسرح الإقليمي. ومع هذا الواقع الصارخ، يواصل النظام الترويج لانتصارات وهمية، يصوّر نفسه كقوة تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل، وكأن الدمار الذي ألحق بالمدن العربية القريبة ليس جزءًا من الحساب، وكأن الخسائر الداخلية للجيش والأجهزة الأمنية لا تعني شيئًا.
ما يثير الاستغراب هو رؤية النظام يركز على الخارج ويعمى عن الداخل. الملالي يعيشون في عالم من الدعاية والخيال، حيث الانتصارات تصور وكأنها على الورق فقط، بينما المدن الإيرانية تتعرض لأضرار مباشرة بفعل العقوبات الاقتصادية الحادة والحروب الإقليمية المستمرة. المدن التي كانت رمزًا للحداثة والتطور في إيران، تتحول تدريجيًا إلى ركام، وتهدد العقوبات الدولية كل فرصة لإعادة بناء اقتصاد متين أو البنية التحتية المتضررة. النظام لا يبدو واعيًا أو مهتمًا بما يحدث داخل حدود بلاده، كل تركيزه على العدو الخارجي وعلى تعزيز صورته في الإعلام، حتى لو كان ذلك على حساب شعبه.
النتيجة لا تحتاج إلى تفسير طويل: قيادة لا تملك الجرأة على الظهور، حكومات تتباهى بانتصارات وهمية، وشعب يعيش تحت وطأة أزمات اقتصادية خانقة، في حين تتحول المدن الإيرانية إلى أنقاض. كلما طال أمد الحرب، كلما تراجعت المدن الإيرانية عن العصرنة والحداثة، وبات المستقبل مرهونًا بماضي يرفض النظام مواجهته. الواقع الإيراني على الأرض يكشف تناقضًا صارخًا بين الخيال السياسي الذي يروج له النظام وبين الحقيقة المعيشية التي يعيشها الناس، سواء في المدن الكبرى أو المناطق الحدودية التي تعرضت للدمار.
إذا استمر هذا النهج، فلن يكون الدمار بعيدًا عن الداخل الإيراني فقط، بل سيؤثر في مستقبل المنطقة كلها، وسيعيد رسم موازين القوى لصالح من لديهم القدرة على استثمار الواقع الواقعي بدلًا من الخيال السياسي. فالمعادلة بسيطة: القيادة التي لا تواجه الحقيقة، شعب يعاني، ومدن تتداعى، ليست قوة يمكن أن تصمد أمام التحديات الحقيقية، مهما حاول الإعلام تصوير الانتصارات على الورق.