
المشرق العربي بين مشروع الدولة ومخطط التفتيت:
يشهد المشرق العربي اليوم لحظة تاريخية شديدة القسوة، تتجاوز في خطورتها حدود الحروب التقليدية أو الصراعات السياسية العابرة، لتصل إلى مستوى إعادة تشكيل الخرائط والهويات والوظائف الجيوسياسية للدول والمجتمعات. ما يجري ليس مجرد نزاعات داخلية أو تنافس إقليمي، بل مشروع واسع لإعادة هندسة المنطقة على أسس جديدة، تُضعف الدول الوطنية، وتُفكك المجتمعات، وتُعيد إنتاج الكيانات على أسس ما دون وطنية: طائفية، مذهبية، إثنية، وعشائرية.
هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي لمسار طويل بدأ مع تفكيك المجال المشرقي بعد الحرب العالمية الأولى، حين جرى الانتقال من وحدة الجغرافيا التاريخية إلى تجزئة الكيانات السياسية. لكن الفارق اليوم أن المشروع لا يكتفي بالتقسيم الإداري والسياسي، بل يسعى إلى تفكيك البنية الاجتماعية نفسها، وتحويل الانتماءات الأولية إلى بديل عن فكرة الدولة الحديثة.
تكمن الخطورة الكبرى في أن هذا التفكيك لا يُفرض فقط من الخارج، بل يجد بيئة داخلية قابلة للاشتعال بسبب عقود من الفشل السياسي، والفساد، وانهيار العدالة الاجتماعية، وغياب المشروع الوطني الجامع. حين تفشل الدولة في إنتاج المواطنة، تصبح الطائفة ملاذاً، ويصبح المذهب سلاحاً، وتتحول الجماعات إلى جزر خوف متبادلة.
في هذا السياق، يصبح الكيان الإسرائيلي المستفيد الاستراتيجي الأول من هذا الانهيار. فكلما تفتت المحيط العربي إلى وحدات متناحرة، تعزز موقعه بوصفه الدولة الأكثر تماسكاً وتنظيماً وقدرة على فرض الوقائع. إن فكرة "الدولة اليهودية" لا تترسخ فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً عبر إنتاج بيئة إقليمية مشابهة، قائمة على شرعنة الهويات المغلقة والدول الدينية والكيانات الطائفية.
المواجهة الحقيقية هنا ليست عسكرية فقط، بل فكرية وحضارية في المقام الأول. إذ لا يمكن مقاومة مشاريع التفتيت بمنطق تعبوي عابر، بل عبر إعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، والدفاع عن فكرة المواطنة، وإحياء مشروع تنويري عقلاني يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه مواطناً لا تابعاً، وللدولة بوصفها عقداً اجتماعياً لا غنيمة سلطوية.
لقد أثبتت التجارب أن الأيديولوجيات المغلقة، سواء كانت قومية متصلبة أو دينية متطرفة أو سلطوية أمنية، انتهت جميعها إلى النتيجة ذاتها: انسداد التاريخ، وانفجار المجتمعات من الداخل. لذلك فإن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى استعادة شعارات الماضي بقدر ما تحتاج إلى إنتاج صيغة جديدة، أكثر مرونة وواقعية، قادرة على الجمع بين الهوية الوطنية والانفتاح الحضاري، وبين الخصوصية الثقافية ومفهوم الدولة الحديثة.
المشرق العربي لا يحتاج اليوم إلى خطاب بكائي على الأطلال، بل إلى مشروع نهضوي جديد، يتجاوز الانقسامات التقليدية، ويؤسس لتحالف واسع بين القوى المدنية والتنويرية والوطنية، لمواجهة مشروع التفتيت الشامل. فالصراع لم يعد بين دول وجيوش فقط، بل بين فكرتين: فكرة الدولة الجامعة، وفكرة الكانتونات المغلقة؛ بين منطق التاريخ، ومنطق العودة إلى العصور المظلمة.
إن إنقاذ المنطقة لا يبدأ من الحدود، بل من العقل. ولا يُصنع بالسلاح وحده، بل بإعادة بناء الوعي السياسي، واستعادة الثقة بفكرة الوطن، وتحرير الإنسان من الخوف الذي يدفعه إلى الاحتماء بالهويات الصغرى. فحين تنتصر فكرة المواطنة، تسقط مشاريع التقسيم مهما امتلكت من قوة. وحين يغيب العقل، تصبح الخرائط مجرد أوراق قابلة للاحتراق.