
(المواطنة قبل الطائفة: مدخل دستوري لإنقاذ سورية من الفوضى)
هذا لم استطع أن أنام لاحظتي هذه قبل أن أنجز هذه القراءة أنا اخوكم صلاح قيراطة، المواطن العربي السوري، الحريص على سورية كلها، لا على جزء منها، وعلى جميع أبنائها دون تمييز بين عرق أو دين أو طائفة أو مذهب. سورية التي أؤمن بها ليست سورية الغالب والمغلوب، ولا سورية المنتصر والمهزوم، بل سورية الدولة التي تتسع للجميع، وتحمي الجميع، وتساوي بين الجميع.
وما أقوله هنا ليس موجهاً لمن يؤمن بهذه الحقيقة الوطنية، فهؤلاء شركاء في الهمّ والرؤية، بل هو خطاب موجه إلى أولئك الذين ما زالوا يصرّون على اختزال الوطن في طائفة، أو الدولة في جماعة، أو السلطة في غنيمة.
وأقول، وأنا عن قولي مسؤول:
حين أنتقد أداء الحكومة السورية الانتقالية، في مقال أو موقف أو تصريح، فإنني لا أمارس هواية الاعتراض، ولا أبحث عن اصطياد الأخطاء، ولا أمارس تصفية حسابات سياسية أو أيديولوجية. بل أمارس واجباً وطنياً وأخلاقياً يفرض عليّ أن أشير إلى الخلل حيث يقع، وأن أقدم، ما استطعت، رؤية للتصحيح لا مجرد توصيف للأزمة.
النقد ليس خيانة، بل هو أحد أشكال حماية الدولة من الانزلاق. والسكوت عن الخطأ ليس وطنية، بل قد يكون مشاركة غير مباشرة في تكريسه.
وقد سبق أن قدمت تصوراً متكاملاً بعنوان: “لو كنت رئيساً للجمهورية العربية السورية”، لم يكن الهدف منه الادعاء بامتلاك الحقيقة، بل إثبات أن النقد الحقيقي لا يكتفي بالرفض، بل يقدم البديل، ويقترح المخرج، ويفتح باب الإصلاح.
إنني، ومعي كثيرون من السوريين، تجاوزنا مسألة الخلفية السابقة لبعض من هم اليوم في السلطة، ولم نعد نتوقف عند كون هذه السلطة امتداداً سابقاً لهيئة تحرير الشام أو غيرها من التنظيمات ذات الخلفية الجهادية، خصوصاً بعد التحولات السياسية المعروفة، وبعد رفع العقوبات الدولية عن الرئيس أحمد الشرع، وما رافق ذلك من اعتراف سياسي ضمني بواقع جديد.
هذا الملف، بالنسبة لنا، لم يعد هو جوهر المسألة.
جوهر المسألة اليوم هو: كيف يُحكم الوطن؟ وعلى أي أساس تُدار الدولة؟
أنا لا أنتقد أحمد الشرع لأنه مسلم سني، كما أنني لا أرحب به لأنه مسلم سني. هذه معايير ما قبل الدولة، لا معايير الدولة الحديثة.
أنا أنتقد فعلاً، أو قراراً، أو ممارسة، حين أشعر أنها تنطلق من عقلية طائفية، أو من انتماء مذهبي ضيق، أو من تصور يرى سورية ملكاً لمكوّن دون آخر، لا وطناً نهائياً لجميع أبنائها.
حين يصبح القرار العام محكوماً بالهوية الطائفية لا بالكفاءة الوطنية، نكون أمام سلطة طائفة لا دولة مواطنة، وأمام مشروع انقسام لا مشروع وطن.
وفي المقابل، فإن رفضنا للطائفية لا يعني استبدال طائفية بأخرى. لا نطالب بمسيحي للرئاسة لأنه مسيحي، ولا بعلوي لأنه علوي، ولا بدرزي أو شيعي أو إسماعيلي أو كردي أو شركسي أو تركماني لأنه يمثل مكوّنه.
كما لا نقبل رئيساً لأنه سني فقط.
هذا منطق هدم الدولة، لا بنائها.
رئيس الجمهورية في سورية يجب أن يصل إلى موقعه لأنه مواطن عربي سوري أولاً، ولأنه يمتلك مشروع دولة، وكفاءة قيادة، وأهلية سياسية، ورؤية وطنية جامعة، لا لأنه يحمل شهادة حسن سلوك طائفية.
سورية لا تحتاج ممثل طائفة، بل تحتاج ممثل دولة.
ولهذا، فإن ما لا يقل عن سبعين بالمئة من السوريين — بصمتهم أحياناً، وبصوتهم أحياناً أخرى — يؤمنون بأن الحل الحقيقي لا يكون إلا عبر دولة مدنية ديمقراطية، تُبنى على عقد اجتماعي جديد، يُستفتى عليه من جميع السوريين، لا يُفرض عليهم من فوق، ولا يُصاغ في غرف المغالبة والإقصاء.
هذا العقد الاجتماعي يجب أن يكون بمثابة الدستور الحقيقي لسورية الجديدة، وأن يتضمن بشكل واضح:
أولاً: تعريف الدولة باعتبارها دولة مواطنة لا دولة مكونات.
ثانياً: فصل الانتماء الديني والطائفي عن شروط تولي المناصب العامة.
ثالثاً: وضع آليات دستورية واضحة لشغل مواقع السلطة، من البرلمان إلى الحكومة إلى رئاسة الجمهورية، وفق معايير الكفاءة والتمثيل الشعبي والشرعية الانتخابية.
رابعاً: ضمان التداول السلمي للسلطة، ومنع احتكارها باسم الثورة أو الدين أو التاريخ أو الأكثرية.
خامساً: حماية الحقوق الفردية والجماعية لجميع السوريين، دون امتيازات فوق وطنية لأي جهة.
إن أخطر ما يهدد سورية اليوم ليس فقط السلاح، بل غياب تعريف واضح للدولة نفسها.
هل نحن أمام جمهورية مواطنين؟ أم أمام سلطة جماعات؟
هل الرئيس رئيس السوريين؟ أم رئيس جماعته؟
هل الجيش جيش الوطن؟ أم جيش السلطة؟
هل القانون فوق الجميع؟ أم فوق الضعفاء فقط؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، بل هي الفاصل الحقيقي بين قيام الدولة وانهيارها.
إن الفوضى التي نعيشها اليوم، أو التي قد نُدفع إليها غداً، ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب المرجعية الدستورية الجامعة، وللاستمرار في إدارة البلاد بعقلية الغلبة لا بعقلية الشراكة.
ولهذا، فإن البداية الصحيحة ليست في تغيير الأشخاص فقط، بل في تغيير القاعدة التي تحكم وصولهم إلى السلطة.
نريد رئيساً لا يُسأل: من أي طائفة أنت؟
بل يُسأل: ماذا تحمل لسورية؟
نريد مسؤولاً لا يُقاس بعدد أبناء طائفته حوله، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أن الدولة تحميهم في ظله.
نريد دولة يكون فيها الانتماء إلى الوطن أعلى من الانتماء إلى الجماعة، ويكون فيها الدستور أقوى من المزاج السياسي، وتكون فيها المواطنة هي الهوية العليا التي لا تعلو عليها هوية.
هذه ليست مثالية حالمة، بل شرط البقاء.
فإما دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وإما إعادة إنتاج الخراب بأسماء جديدة.
وسورية، التي دفعت من دم أبنائها ما يكفي لقرن كامل، لا تحتمل تكرار التجربة نفسها مرة أخرى...
ملاحظة :
الأكثرية التي يعتد بها في المسائل السياسية ذات الأبعاد الوطنية، هي أكثرية ايدلوجية وضعية من صنع أهل الأرض وفق ظروفهم، لا عقائدية منزلة من السماء، لاسيما ما اعتراها من فلسفات أهل الأرض الذين تقننوا في التفرقة والاقصاء والإلغاء متمسكين بغيبيات السماء .