--:--
استطلاع جديد: تأييد ترامب يظل قريباً من أدنى مستوياته وسط تصاعد القلق الاقتصادي وفد سوري يزور بيروت لبحث استخدام السوريين لمطار رينيه معوض وتطوير الربط الحدودي

الشرق الأوسط بين صفقة كبرى وشبكة اشتراطات متداخلة

Salah Kirata • ٩‏/٦‏/٢٠٢٦

42295.png

الشرق الأوسط بين صفقة كبرى وشبكة اشتراطات متداخلة

تتجه المقاربة الأمريكية الراهنة تجاه الملف الإيراني نحو ما يبدو أنه محاولة لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي بصورة شاملة، تتجاوز حدود إدارة أزمة محددة إلى هندسة توازنات سياسية جديدة في الشرق الأوسط. فالقضية لم تعد محصورة في مسار التفاهم النووي أو احتواء التصعيد العسكري، بل باتت جزءا من رؤية أوسع تربط بين ملفات متعددة كانت تُعالج سابقا بشكل منفصل.

في هذا الإطار، يطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصورا يقوم على دمج مسارين متوازيين، يتمثل الأول في إنهاء المواجهة مع إيران، بينما يتمثل الثاني في توسيع دائرة التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام. هذا الربط بين المسارين يمنح المبادرة طابعا مختلفا، إذ يحولها من تفاوض تقليدي إلى مشروع سياسي إقليمي واسع تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية.

وتعكس هذه المقاربة تحولا في طريقة إدارة الولايات المتحدة للصراعات الدولية، حيث لم تعد تتعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر، بل تميل إلى تجميع القضايا في إطار واحد بهدف الوصول إلى تسوية شاملة. غير أن هذا الأسلوب، رغم طموحه، يواجه إشكالية جوهرية تتمثل في أن زيادة عدد الملفات المترابطة ترفع تلقائيا من مستوى التعقيد وتعدد نقاط التعطيل المحتملة.

في الخلفية، تستمر الأزمة بين إيران والولايات المتحدة في إحداث تأثيرات واسعة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية. ومع تصاعد الضغوط المتبادلة، تتبلور محاولات لصياغة اتفاق يتضمن تخفيف العقوبات مقابل فرض قيود على بعض الأنشطة النووية، إلى جانب ترتيبات أمنية تسعى إلى طمأنة الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل التي تنظر إلى أي تسوية جزئية باعتبارها غير كافية لضمان تفوقها الاستراتيجي.

إلا أن إدخال مسار التطبيع كشرط موازٍ لإنهاء الحرب مع إيران يضيف بعدا جديدا من التعقيد، إذ يضع عددا من الدول ذات الثقل السياسي والديني في العالم الإسلامي أمام معادلة دقيقة تجمع بين متطلبات الأمن والمصالح الاقتصادية من جهة، والاعتبارات الداخلية وحساسيات الرأي العام من جهة أخرى. وهذا ما يجعل القرار السياسي في هذه الدول أكثر تعقيدا وتشابكا مع توازناتها الداخلية.

وتكمن الإشكالية الأساسية في هذا الطرح في طبيعة الربط بين ملفات غير متجانسة، حيث تشير التجارب الدبلوماسية السابقة إلى أن دمج الأزمات المعقدة ضمن صفقة واحدة قد يؤدي أحيانا إلى إبطاء مسار الحل بدل تسريعه، لأن كل طرف يصبح قادرا على التأثير في كامل المنظومة عبر ملف واحد فقط.

ورغم هذه التحديات، تعكس هذه الرؤية محاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي على أسس جديدة، تقوم على إعادة تعريف التحالفات بدل الاكتفاء بإدارة التوترات القائمة. وفي حال نجاح هذا المسار، قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الاستقرار وإعادة توزيع النفوذ في المنطقة. أما في حال تعثره، فقد يؤدي إلى تعميق الانقسامات القائمة وإضافة طبقات جديدة من التوتر.

وفي المحصلة، يبدو الشرق الأوسط مقبلا على لحظة اختبار حاسمة، تتداخل فيها الدبلوماسية مع إعادة هندسة موازين القوى، وتتصادم فيها الطموحات الكبرى مع تعقيدات الواقع السياسي. ويبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت هذه المقاربة ستقود إلى تسوية تاريخية، أم ستفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.