--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الثامن من آذار: دمشق تصحو على ثورة جديدة

Salah Kirata • ١٠‏/٣‏/٢٠٢٦

9220.webp

الثامن من آذار: دمشق تصحو على ثورة جديدة

في صباح التاسع من آذار 1963، كانت دمشق تتنفس هواءً جديدًا، هواء الثورة والتحول. الشوارع مزدحمة بالحشود، وجوه الناس مشحونة بالفضول والترقب، أصوات تلاقي صدى الماضي وتترقب المستقبل. في تلك اللحظة، وصل وفد كبار المسؤولين العراقيين إلى العاصمة السورية، قادمون على وقع نجاح انقلاب آذار في بغداد، محملون بحماس الانتصار العراقي وبقوة يظنون أنها ستطبق على الأرض السورية.

صعد وزير الداخلية العراقي علي صالح السعدي على درج الأركان، صوته يملأ الساحة، يتحدث بعاطفة الانقلابي الحماسية، قائلاً للرئيس السوري لؤي الأتاسي: "يابا، ماكو دم؟ ماكو مشانق؟ أين الرجعيون عملاء الاستعمار؟ لقد كنت آمل أن أراهم معلقين في ساحة المرجة!"، كلمات تكاد تتشح برائحة الدم والتوتر، وكأن الانتصار العراقي لا يكتمل إلا برؤية العقاب المعلّق للخصوم.

لكن دمشق كانت مختلفة، وهنا ظهر الاختلاف في روح الثورة السورية. أجابه اللواء الأتاسي بهدوء عميق، يكاد يكون همسًا في صخب الساحة: "في سوريا لا نحب إراقة الدماء في غير موضعها، ونعتبر أن ثورة آذار ناجحة للغاية لأننا لم نحتج إلى إطلاق طلقة واحدة." لم يقنع الرئيس العراقي بالطبع، لكنه شعر بصمت دمشق الثابت، وكأن المدينة نفسها تقول له: هنا الثورة مختلفة… هنا الدم لا يُسفك إلا للضرورة القصوى. وكأنهم قالوا له، بليونة الحروف وحزم الموقف: "اذهب، فأنت الطلقاء."

وفي قلب هذه اللحظة التاريخية، تمّ الإعلان عن تشكيل حكومة صلاح الدين البيطار الأولى، أول حكومة يرأسها البعث، وهي الحكومة التاسعة والستون منذ استقلال سوريا عن الدولة العثمانية. كان تشكيل الحكومة بمثابة لوحة معقدة، مزيج من الألوان السياسية: بعثيون، ناصرون، اشتراكيون، وحدويون مستقلون، جميعهم مجتمعون على طاولة واحدة، يضعون خلافاتهم جانبًا لصياغة سوريا جديدة.

تولى البيطار رئاسة الحكومة وحقيبة الخارجية، ونهاد القاسمي، الناصري من الاتحاد الاشتراكي، نائبًا للرئيس وحقيبة العدل. تولى الدكتور عبد الوهاب حومد وزارة المالية، العميد محمد الصوفي الدفاع، العميد أمين الحافظ الداخلية، منصور الأطرش الشؤون الاجتماعية والعمل، الدكتور عبد الحميد سويدان الزراعة، الدكتور سامي الدروبي التربية والتعليم، الدكتور عبد الكريم زهور الاقتصاد، الدكتور جمال الأتاسي الإعلام، ودرويش العلواني الأوقاف. كل اسم هنا ليس مجرد حقيبة، بل شهادة على محاولة خلق توازن سياسي واجتماعي يعكس تنوع الثورة وطموحاتها.

جاء بيان الحكومة ليعلن بوضوح عن أهدافها: العمل من أجل وحدة العرب وبناء المجتمع الاشتراكي العربي، والتركيز على المهمة العاجلة: توحيد سوريا ومصر والعراق. وكان لهذا الإعلان صدى واسع في العالم العربي، حظيت الحكومة باعتراف مصر والأردن واليمن والجزائر، وحتى العراق الذي أعلن جاهزية جيشه لحماية الثورة، وكأنه يشارك في كتابة صفحة جديدة من تاريخ المنطقة.

كان سامي الجندي يعبر عن شعور داخلي لدى الوزراء الجدد: "كان أول اجتماع وزاري مفرحًا وهامًا جدًا بعد أن علمنا أن القيادة السياسية هي بيد المجلس الوطني لقيادة الثورة، وأننا لم نكن أكثر من أمناء عامين بمرتبة وزير." كلمات الجندي تعكس الفخر والمسؤولية، الإدراك أن السلطة ليست مجرد منصب، بل أمانة تاريخية تحتاج للحكمة والصبر واليقظة المستمرة.

ولضمان تثبيت السلطة الجديدة، هرع العهد إلى إجراءات عاجلة: تكليف العقيد عادل حاج مراد برئاسة المخابرات العامة، إصدار لوائح التسريح لضباط الانفصال بالتوازي مع لوائح الترفيع والتعيين، وإخضاع الفريق عبد الكريم زهر الدين، قائد الجيش السابق، للتحقيق. وفي نفس الوقت، تم إنشاء ميليشيا الحرس القومي، مستلهمين التجربة العراقية في حماية الثورة، لضمان أن يبقى حلم الثورة السوري خالصًا من أي تهديد داخلي.

وعلى الصعيد الإقليمي، انطلقت الجهود نحو وحدة اتحادية مع مصر والعراق، محاولة لصياغة سوريا في قلب مشروع عربي أكبر، لتصبح جزءًا من صورة جديدة للعالم العربي، حيث القوة، الوحدة، والحكمة تتقاطع.

وبعد أقل من شهرين، في 11 أيار 1963، قدمت الوزارة استقالتها، وتوالت محاولات تشكيل حكومة جديدة، حيث حاول الدكتور سامي الجندي دون جدوى، ليكلف البيطار مجددًا بتشكيل الحكومة الثانية في 13 أيار من ذات العام. وقد يطرح البعض سؤالًا: لماذا البيطار، ولماذا لم يحقق الحوراني ذلك؟ يجيب مصطفى طلاس: "شعر الأستاذ صلاح البيطار منذ الأيام الأولى بتورطه بهذا الموضوع، وبعدما سمحت له الأجهزة المختصة في حكومة بشير العظمة أصدر جريدة البعث. كانت الجريدة تعكس الموقف الوحدوي الأصيل الذي اتسم فيه سلوك كل بعثي منذ أن قرر الالتزام مع نضال البعث ومبادئه."

ويوضح بيير بوداغوفا في كتابه "الصراع على السلطة في سوريا" أن ثورة الثامن من آذار لم تكن مجرد انقلاب عسكري عابر، بل غيرت الطبيعة الاجتماعية للسلطة في سوريا، وأدخلت إلى الحكم قوى اجتماعية من الفئات الوسطى في المدن والريف، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

هكذا، بين كلمات السياسيين، أصوات الشوارع، تصفيق الحشود، وفلسفة الثورة السورية في ضبط النفس، نُسجت دمشق الجديدة. لم تكن مجرد انقلاب، بل كانت بداية فصل جديد من التاريخ السوري الحديث، فصل يروي قصة كيف يمكن للثورة أن تصنع التغيير بالحكمة قبل القوة، وبالرؤية قبل الدماء، وبالوعي قبل السلاح. دمشق في آذار لم تكن مدينة فقط، بل قلب ينبض بفكرة جديدة، بسيمفونية الثورة، تتردد أصداؤها في كل شارع وزقاق، لتظل ذكرى الثامن من آذار علامة فارقة في تاريخ سورية الحديث.