
التسول في دمشق... عرضٌ لمرض اسمه الفقر:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
فهو لا يهاجم المدينة، ولا يختزل الظاهرة بالمتسولين أنفسهم، بل يوجه القارئ مباشرة إلى جوهر القضية هو :
" أن التسول ليس المرض بل أحد أعراضه"...
التسول في دمشق... عرضٌ لمرض اسمه الفقر :
لم يعد مشهد المتسولين في شوارع دمشق حدثاً استثنائياً يلفت الانتباه، بل أصبح جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي للعاصمة، عند إشارات المرور، وفي الأسواق والأحياء التجارية، وأمام المساجد والمطاعم، تتكرر الوجوه ذاتها والأيدي ذاتها التي تمتد طلباً للمساعدة، أطفال كان يفترض أن يكونوا في مدارسهم، ونساء وشيوخ دفعتهم الحاجة إلى الشارع، فيما تقف المدينة شاهدة على واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي عرفها المجتمع السوري في تاريخه الحديث...
لكن الخطأ الأكبر يكمن في التعامل مع التسول بوصفه المشكلة ذاتها، فالمتسول ليس أصل الأزمة، بل نتيجتها، أما المرض الحقيقي الذي يقف خلف هذا المشهد فهو الفقر، وما يتفرع عنه من بطالة وتهميش واختلال تنموي بين المحافظات، وعجز اقتصادي مزمن عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطن...
خلال السنوات الماضية أصبحت دمشق نقطة جذب لعشرات الآلاف من السوريين الباحثين عن فرصة عمل أو مصدر رزق أو حتى وسيلة للبقاء، ولم تكن هذه الهجرة الداخلية تعبيراً عن رفاهية الاختيار، بل عن ضيق الخيارات وانعدامها في مناطق كثيرة أنهكتها الحرب والتراجع الاقتصادي وضعف الاستثمارات وفرص العمل...
ولهذا لم تعد العاصمة تستقبل الموظفين والتجار والطلاب فقط، بل أصبحت تستقبل الفقر نفسه، فكل محافظة عاجزة عن توفير فرص الحياة لأبنائها تدفع بجزء من سكانها نحو دمشق، حيث يعتقد الكثيرون أن الرزق أقرب وأن فرص النجاة أكبر. ومع تراكم هذه الهجرات تزايدت أعداد المتسولين بصورة ملحوظة، وتحولت الظاهرة من حالات فردية متناثرة إلى مشهد اجتماعي واسع الانتشار...
علم الاجتماع لا ينظر إلى التسول باعتباره انحرافاً فردياً أو خياراً شخصياً فحسب، بل يعدّه مؤشراً خطيراً على وجود خلل في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، فعندما تعجز المؤسسات عن تأمين العمل والتعليم والرعاية والحماية الاجتماعية، تبدأ الأمراض الاجتماعية بالظهور تباعاً، ويصبح التسول أحد أبرز مظاهرها..ظ
والأمر لا يتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط، فالتسول يترك آثاراً عميقة على بنية المجتمع وقيمه... فالطفل الذي ينشأ في الشارع معتاداً على طلب المال من الآخرين بدلاً من اكتساب المعرفة أو المهارة، يكون أكثر عرضة للجهل والاستغلال والانحراف، وعندما تتسع هذه الظاهرة فإن المجتمع لا يخسر جيلاً من الأطفال فحسب، بل يخسر جزءاً من مستقبله أيضاً...
الأخطر أن التسول لم يعد دائماً تعبيراً مباشراً عن الحاجة، ففي كثير من الحالات تحولت الظاهرة إلى نشاط منظم تديره شبكات تستثمر في الفقر وتستغل الأطفال والنساء والعجزة لتحقيق أرباح سهلة، ما يجعل القضية تتجاوز بعدها الاجتماعي إلى أبعاد أمنية وإنسانية وأخلاقية بالغة الخطورة...
ومن هنا فإن الاقتصار على الحملات الأمنية لمعالجة الظاهرة لا يمكن أن يحقق نتائج دائمة، فمن الممكن إبعاد المتسولين عن الشوارع لفترة قصيرة، لكن من المستحيل إنهاء التسول ما دامت أسبابه قائمة. فمعالجة النتائج دون معالجة الجذور ليست أكثر من تأجيل للأزمة لا حلّاً لها...
الحل الحقيقي يبدأ من التنمية، فالمحافظات التي تمتلك موارد زراعية أو صناعية أو سياحية أو تجارية يجب أن تحصل على صلاحيات أوسع لاستثمار هذه الموارد وتنميتها، ولا يمكن أن تستمر البلاد بمنطق يتركز فيه القرار الاقتصادي والاستثماري والخدمي في العاصمة بينما تنتظر بقية المناطق ما يتساقط من فتات المشاريع والفرص...
إن تطبيق اللامركزية الإدارية والاقتصادية بصورة مدروسة لا يعني إضعاف الدولة كما يظن البعض، بل يعني تعزيز قدرتها على تحقيق تنمية أكثر عدالة. فعندما تتمكن كل محافظة من إدارة شؤونها التنموية والاستثمارية بكفاءة أكبر، ستنشأ فرص عمل محلية، وستتراجع الهجرة الداخلية، وينخفض الضغط السكاني والاقتصادي الهائل الذي تتحمله دمشق اليوم...
وإلى جانب ذلك، لا بد من بناء منظومة حماية اجتماعية حقيقية تستهدف الأسر الأشد فقراً، وتربط المساعدات بالتعليم والتدريب والتأهيل المهني، مع إطلاق برامج خاصة لإعادة الأطفال المتسولين إلى المدارس وإدماجهم في المجتمع المنتج، فالدول لا تقضي على الفقر بالصدقات، وإنما بخلق الفرص وتمكين الإنسان من الاعتماد على نفسه...
إن أخطر ما في ظاهرة التسول ليس منظر اليد الممدودة في الشارع، بل الرسالة التي تحملها تلك اليد. فهي تقول إن هناك مواطناً خرج من دائرة الإنتاج، وأسرة سقطت خارج شبكة الأمان الاجتماعي، ومنطقة عجزت عن تأمين أبسط مقومات الحياة لأبنائها...
دمشق ليست مسؤولة عن فقر السوريين، لكنها أصبحت المرآة التي تعكس هذا الفقر بأوضح صوره، وما لم تبدأ معالجة جذور الأزمة في المحافظات كافة، فإن العاصمة ستبقى تستقبل المزيد من الباحثين عن لقمة العيش، وستبقى شوارعها شاهدة على حقيقة موجعة مفادها أن معركة التنمية والعدالة الاجتماعية لم تعد ترفاً سياسياً أو اقتصادياً، بل أصبحت شرطاً ضرورياً لحماية المجتمع والدولة معاً.
وأخيراً:
فإن مسؤولية الدولة لا تقاس بحجم الأبراج التي تُبنى، ولا بعدد المشاريع العقارية التي تُطلق، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها، فالطفل الجائع، واليتيم، والعاجز، والمهمش، يجب أن يكونوا في مقدمة سلم الأولويات الوطنية، فالدول العظيمة لا تُعرف بما تملكه من إسمنت وحديد، بل بما توفره من كرامة وعدالة وفرص لأبنائها...
وحين تنجح الدولة في إعادة الإنسان إلى مركز اهتمامها، سيتراجع التسول تلقائياً، لأن الكرامة الإنسانية كانت وستبقى أفضل سياسة اجتماعية واقتصادية يمكن لأي دولة أن تتبناها.