--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الوطن أولًا… والإنسانية أفقه الأوسع

Salah Kirata • ٢٧‏/٤‏/٢٠٢٦

27738.png

الوطن أولًا… والإنسانية أفقه الأوسع:

ليس هناك انتماء أعمق في وجدان الإنسان من انتمائه إلى وطنه، إلا ذلك الانتماء الأرحب للإنسانية جمعاء، شريطة ألا يتحول هذا الاتساع الإنساني إلى ذريعة للإساءة إلى الوطن أو النيل من مكانته وقيمته وحقه في الوفاء والولاء. فالوطن ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة، ولا مجرد اسم يُكتب في الوثائق الرسمية، بل هو الذاكرة الأولى، واللغة الأولى، وملامح الطفولة، ورائحة الأرض، وصوت الأمهات، ووجع الآباء، وهو السقف الذي نحتمي به حين تتكاثر العواصف.

الإنسان قد يختلف مع حكوماته، وقد يعترض على سياسات دولته، وقد يناضل من أجل إصلاح الخلل وتصحيح المسار، لكن هذا شيء، والطعن في الوطن ذاته شيء آخر تمامًا. فالنقد مسؤولية وطنية، أما التشهير والعداء والتشفي، فهو سقوط أخلاقي قبل أن يكون انحرافًا سياسيًا. من يحب وطنه لا يصفق لضعفه، ولا يفرح لجراحه، ولا يفتح الأبواب لرياح الخراب باسم الحرية أو العدالة أو أي شعار آخر.

أما الانتماء للإنسانية، فهو القيمة العليا التي تجعل الإنسان أوسع من حدود الجغرافيا، وأكثر نبلاً من عصبيات الدم والانغلاق. هو الإيمان بأن البشر جميعًا يستحقون الكرامة، وأن الظلم مدان أينما وقع، وأن العدالة لا تتجزأ، وأن الألم الإنساني لا يحتاج إلى جواز سفر حتى نتعاطف معه. لكن هذا الانتماء لا يكون حقيقيًا إذا بدأ بخيانة الأقرب والتخلي عن الوطن، لأن من لا يحفظ حق بيته الأول، لا يُؤتمن على الدفاع عن بيوت الآخرين.

المشكلة الحقيقية ليست في الانتماء للدين أو الطائفة أو العرق أو الإثنية، فهذه كلها مكونات طبيعية في حياة الإنسان، وجزء من هويته الثقافية والاجتماعية والروحية. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الانتماءات إلى جدران عازلة، وإلى ولاءات متقدمة على الوطن، أو بديلة عنه، أو متصارعة معه. عندها تصبح هذه الانتماءات عبئًا لا قيمة، وخطرًا لا ثراءً، وسببًا للتفكك لا مصدرًا للتنوع.

حين يفضل الإنسان طائفته على وطنه، فإنه لا يحمي الطائفة بل يعزلها ويجعلها مشروع صدام دائم. وحين يقدم العرق على الدولة، فإنه لا يصون الهوية بل يفتح أبواب الاحتراب والانقسام. وحين تُستخدم العقيدة الدينية لتبرير الانقلاب على المصلحة الوطنية، فإن الدين نفسه يُزج به في معركة ليست معركته، ويُحمّل ما لا يحتمل.

الأوطان لا تُبنى بالعصبيات، بل بالمواطنة. لا تُحمى بالهويات الضيقة، بل بالهوية الجامعة. ولا تستقر حين يشعر كل فرد أنه ابن طائفة أولًا، أو ابن قبيلة أولًا، أو ابن جماعة أولًا، بل حين يشعر أنه ابن وطن، وأن الجميع شركاء في هذا البيت الكبير، مهما اختلفت أسماؤهم وصلواتهم ولهجاتهم وأصولهم.

الوطن ليس ضد الدين، ولا ضد القومية، ولا ضد الخصوصيات الثقافية، بل هو الإطار الذي يحفظها جميعًا ويمنع تحولها إلى أدوات اقتتال. ومن دون وطن عادل وقوي، تصبح كل هذه الانتماءات مشاريع خوف متبادل، ويصبح الإنسان محاصرًا داخل هوياته الصغيرة، عاجزًا عن العيش في فضاء مشترك.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الناس، بل تحويل الاختلاف إلى سلاح سياسي وأخلاقي. وليس أخطر على الدولة من مواطن يرى خلاصه خارج وطنه، أو يعتقد أن نجاته مرهونة بانتصار جماعته على بقية الجماعات. تلك ليست نجاة، بل وصفة مؤكدة لانهيار الجميع.

لهذا يبقى الوطن هو الانتماء الأول، وتبقى الإنسانية هي المعنى الأعلى له، وتبقى كل الانتماءات الأخرى محترمة ما دامت تعمل داخل هذا التوازن، لا ضده. فحين يتقدم الوطن، تتسع الإنسانية، ويزدهر التنوع، ويصبح الاختلاف مصدر غنى. أما حين تتقدم العصبيات، فإن الوطن يضعف، والإنسانية تنكمش، ويبدأ السقوط.

الوطن ليس فندقًا نغادره حين تسوء الخدمة، بل قدر نعمل على إصلاحه، ونبقى أوفياء له حتى في أشد لحظات الخيبة. ومن لا يعرف قيمة الوطن، لن يعرف قيمة أي انتماء آخر، لأن الجذور التي تُقتلع من أرضها لا تصنع شجرة، بل حطبًا تذروه الرياح.