
اليوم الحادي عشر للحرب: الشرق الأوسط بين ثلاث عقائد كبرى وصراع بلا أفق قريب:
لم يعد الحديث عن احتمال اندلاع الحرب في الشرق الأوسط ذا معنى. فالحرب اندلعت بالفعل، ودخلت يومها الحادي عشر، فيما تتسع دوائر القلق من أن تتحول إلى مواجهة أطول وأعمق مما يتوقعه كثيرون. ما كان يُحذَّر منه طوال الأشهر الماضية أصبح الآن واقعاً سياسياً وعسكرياً يفرض نفسه على المنطقة والعالم.
غير أن ما يجري لا يمكن تفسيره بمنطق العمليات العسكرية وحده. فالقصف المتبادل والضربات الجوية والتصعيد الإعلامي ليست سوى الواجهة الظاهرة لصراع أعمق بكثير. في خلفية المشهد تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع تصورات عقائدية كبرى، وهو ما يجعل هذه الحرب أكثر تعقيداً من أي مواجهة تقليدية.
صحيح أن بعض الأطراف يراهن على أن الضربات العسكرية المكثفة قادرة على فرض وقائع جديدة على الأرض، إلا أن هذا الرهان يبدو محفوفاً بالمخاطر. فالقوى المستهدفة لم تدخل هذه المواجهة دون استعداد. على مدى سنوات طويلة جرى بناء قدرات عسكرية واسعة، خاصة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، تحسباً لمثل هذا السيناريو. لذلك فإن الاعتقاد بأن الحملة العسكرية وحدها قادرة على إنهاء الصراع قد يكون تقديراً مبالغاً في تفاؤله.
الأخطر من ذلك أن ملامح المواجهة توحي بأن المنطقة قد تكون على أبواب صراع طويل الأمد. فالمعادلة لم تعد مجرد مواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مشاريع كبرى، لكل منها رؤيته الخاصة لمستقبل الشرق الأوسط.
المشروع الأول هو المشروع الإسرائيلي التوسعي الذي يطرح، بصورة صريحة أحياناً وضمنية أحياناً أخرى، تصوراً جيوسياسياً لفضاء استراتيجي يتجاوز الحدود القائمة بكثير. في هذا التصور تُطرح فكرة المجال الحيوي الممتد بين النيل والفرات باعتبارها الإطار الأمني الأوسع لإسرائيل، وهو ما يثير مخاوف عميقة لدى شعوب المنطقة التي ترى في ذلك تهديداً مباشراً لتوازناتها التاريخية.
المشروع الثاني يتمثل في الرؤية العقائدية المرتبطة بالفكر السياسي الإيراني، حيث يتداخل البعد الديني مع التصور الجيوسياسي للصراع. ففي هذا الإطار يُنظر إلى التحولات الكبرى التي يشهدها العالم باعتبارها جزءاً من مسار تاريخي يقود في النهاية إلى مرحلة يُعاد فيها تشكيل النظام العالمي تمهيداً لظهور الإمام الغائب، وهي فكرة ذات حضور عميق في المخيال الديني والسياسي داخل إيران.
أما المشروع الثالث فينبع من تيار واسع التأثير داخل الولايات المتحدة وبعض المجتمعات الغربية، وهو التيار المعروف بالصهيونية المسيحية. هذا التيار ينظر إلى إسرائيل باعتبارها عنصراً محورياً في تحقق نبوءات دينية تتعلق بعودة المسيح، ولذلك فإن دعمها سياسياً واستراتيجياً لا يُفهم فقط في إطار التحالفات الدولية التقليدية، بل أيضاً في إطار اعتقاد ديني راسخ لدى قطاعات مؤثرة من هذا التيار.
عندما تتقاطع هذه المشاريع الثلاثة فوق الجغرافيا نفسها، يصبح الشرق الأوسط ساحة مواجهة بين رؤى تاريخية كبرى بقدر ما هو ساحة صراع عسكري. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: فالحرب التي دخلت يومها الحادي عشر قد لا تكون مجرد جولة عسكرية محدودة، بل بداية مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة.
إن المشكلة الحقيقية ليست فقط في اندلاع الحرب، بل في طبيعة الأفكار التي تغذيها. فحين تتحول السياسات إلى أدوات لتحقيق رؤى عقائدية كبرى، يصبح التراجع أصعب، وتصبح التسويات أكثر تعقيداً. وفي مثل هذه الحالات لا تنتهي الحروب بسرعة، بل تتحول إلى فصول طويلة من الصراع تتوارثها الأجيال.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه المنطقة اليوم لم يعد: هل ستندلع الحرب؟ بل أصبح سؤالاً أكثر خطورة: إلى أي مدى يمكن أن تمتد، ومن سيدفع ثمنها عندما تتصادم العقائد الكبرى فوق أرض الشرق الأوسط؟