
الزلزال الكبير: هل تتحول «صفقة إبراهام» من مشروع إعادة تموضع إلى عبء استراتيجي على واشنطن؟
في السياسة الدولية لا تُقاس المبادرات بما يُعلن عنها، بل بما تختزنه من أهداف وما تخلقه من وقائع على الأرض. ومن هذا المنظور، فإن العودة إلى طرح دونالد ترامب في الشرق الأوسط لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد استئناف لمسار التطبيع أو إعادة إحياء لاتفاقات سابقة، بل كجزء من محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الإقليم.
القراءة التي ترى أن واشنطن تتحرك وفق منطق «إعادة الهندسة الجيوسياسية» تستحق النقاش، لكن من المهم أيضاً التمييز بين ما هو هدف معلن وما هو تقدير سياسي أو استخباراتي. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة، بما فيها إدارة ترامب، سعت تاريخياً إلى بناء شبكات أمن إقليمي تُخفف كلفة الانخراط العسكري المباشر وتوزع أعباء الردع على الحلفاء. الجديد هنا ليس المبدأ، بل مستوى الطموح والسرعة والظروف الدولية التي تتحرك فيها واشنطن.
إذا أخذنا هذا الطرح إلى أقصاه، فإن المسألة لا تصبح «سلاماً مقابل سلام» كما رُوّج سابقاً، بل انتقالاً من مفهوم التحالفات التقليدية إلى مفهوم «الترابط الأمني العابر للسيادات»، حيث تصبح المعلومات والتنسيق والإنذار المبكر والتكامل التقني أدوات النفوذ الأساسية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يثير ملف التطبيع، عندما يُربط بإعادة تعريف التهديدات الإقليمية، حساسيات عميقة لدى أطراف عربية وإقليمية. فالقضية لا تتعلق فقط بالعلاقة مع إسرائيل أو بإدارة الملف الإيراني، بل بالسؤال الأعمق: من يحدد أولويات الأمن في المنطقة؟ ومن يمتلك القرار النهائي في لحظات الأزمات؟
ضمن هذه القراءة، يظهر أن ترامب ــ أو أي إدارة أمريكية تسير بالاتجاه ذاته ــ قد لا يكون هدفه الوصول السريع إلى اتفاق نهائي بقدر ما هو خلق ديناميكية سياسية جديدة: رفع سقف المطالب، زيادة الضغط، ثم إعادة ترتيب موازين التفاوض. التهديد بالقوة هنا لا يعني بالضرورة وجود نية لخوض حرب شاملة؛ لأن حرباً إقليمية واسعة ستفرض أثماناً اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز الشرق الأوسط إلى الطاقة والتجارة العالمية وأسواق المال.
لذلك يبدو السيناريو الأقرب إلى الواقعية هو استمرار سياسة الضغط المتدرج: تحفيز الاصطفافات، توسيع دوائر التنسيق الأمني، واستخدام أدوات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي لتغيير الحسابات الإقليمية.
لكن هل يؤدي ذلك تلقائياً إلى «فوضى منظمة»؟
ليس بالضرورة.
المنطقة اليوم ليست منطقة العقدين الماضيين. دولها تملك هامش مناورة أكبر، وعلاقات أكثر تنوعاً، وشبكات شراكة تمتد شرقاً وغرباً. كما أن القوى الإقليمية الكبرى أصبحت أكثر ميلاً إلى إدارة التنافس لا إلى تحويله إلى مواجهة مفتوحة.
ومن هنا يبرز احتمال موازٍ: أن تستجيب العواصم الإقليمية بمنطق «الاحتواء الهادئ»؛ أي الانخراط التكتيكي مع المبادرات الأمريكية دون تسليم كامل بالأجندة الأمنية المقترحة، مع فتح قنوات موازية مع قوى دولية أخرى لتحقيق التوازن.
أما السيناريو الأكثر حساسية، فهو أن تؤدي الضغوط المتبادلة إلى إعادة إنتاج خرائط اصطفاف جديدة، ليس بالضرورة ضد واشنطن، وإنما لتقليص قدرة أي طرف منفرد على احتكار القرار الإقليمي.
للعلم
فإن الشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام خيار السلام أو الحرب فقط، بل أمام سؤال أكبر: هل يبقى فضاءً لتوازنات متعددة، أم يتحول إلى منظومة أمنية ذات مركز قيادة واحد؟
إذا كانت واشنطن تراهن على إعادة ترتيب الإقليم عبر شبكات النفوذ والتحالفات، فإن نجاحها لن يُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، بل بقدرتها على إقناع الأطراف بأن هذه الترتيبات تزيد الاستقرار ولا تنتقص من الاستقلالية.
وفي المقابل، فإن الدول الإقليمية لن تُقاس قوتها برفض المبادرات أو قبولها، بل بقدرتها على تحويل الضغط الخارجي إلى مساحة أوسع للمناورة وصناعة القرار.
في النهاية، لا تُحسم خرائط الشرق الأوسط بالصفقات وحدها، بل بميزان الإرادات، وبمن يملك النفس الأطول في إدارة التحولات.