--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

الزواج المدني… حين يصبح الحبُّ قضية دولة

Salah Kirata • ١٠‏/٥‏/٢٠٢٦

32753.jpg


الزواج المدني… حين يصبح الحبُّ قضية دولة:

في مجتمعاتنا السورية، لم تكن “الخطيفة” يومًا حادثة طارئة أو مستوردة من خارج الثقافة الاجتماعية، عرفها الريف والمدينة، وعرفتها العائلات المحافظة كما عرفتها البيئات المنفتحة، وكانت في كثير من الأحيان مخرجًا من تعقيدات الطائفة أو الطبقة أو العائلة أو حتى من عناد الآباء والأمهات، الجديد ليس وجودها، بل حجم الاحتقان الذي بات يحيط بها، خصوصًا عندما يقع الزواج بين طرفين ينتميان إلى طائفتين مختلفتين...

(ومع ذلك، فإن فهم الظاهرة لا يعني تبرير الجريمة)...

فالزواج لا يجوز أن يبدأ بفعل يُوصَف قانونيًا وأخلاقيًا بالاختطاف، لأن أي علاقة تُبنى على الإكراه أو انتهاك إرادة المرأة تتحول إلى اعتداء لا إلى زواج، ولهذا كان القانون السوري، رغم تعقيداته وتناقضاته، يميز بين حالة الخطف الجرمي وبين حالة موافقة الفتاة إذا كانت قد تجاوزت السن القانونية، فالإرادة الحرة هنا هي الفيصل، لا الضجيج الاجتماعي ولا التحريض الطائفي...

لكن المشكلة الأعمق لم تكن يومًا في حادثة هنا أو هناك، بل في البنية القانونية والثقافية التي تجعل الحب نفسه مشروع أزمة وطنية...

قانون الأحوال الشخصية السوري، كما هو معروف، ترك شؤون الزواج والطلاق والإرث للمحاكم الروحية بالنسبة للمسيحيين والموحدين الدروز، بينما اعتمد بالنسبة لبقية المواطنين على الشريعة الإسلامية، مع العودة في ما لم يرد عليه نص إلى اجتهادات الإمام أبي حنيفة النعمان، وهذا الترتيب، مهما كانت مبرراته التاريخية، جعل المواطن السوري يُعامل قانونيًا باعتباره ابن طائفة قبل أن يكون ابن دولة...

( ومن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية)...

إذ لا يوجد نص صريح يمنع المسلم السني من الزواج من مسيحية، أو من أي مكون شرائحي سوري دينا كان أو عرقيا، طائفيا أو اثنيا، لكن منه على البقية الحق من الزواج بمسلمة والعرف كان حادا عندما تكون سنّية، لكن الواقع الاجتماعي والمؤسساتي كان دائمًا أقوى من النصوص، حتى تحولت العلاقات العابرة للطوائف إلى مناطق اشتباه وخوف واتهام، وهنا يظهر التناقض الصارخ بين مفهوم الدولة المدنية الحديثة وبين واقع القوانين الشخصية التي تُقسّم المواطنين وفق انتماءاتهم الدينية.

قبل عقود، وتحديدا في العام ١٩٨٥ وفي أجواء سياسية لم تكن تحتمل كثيرًا من النقاش، حضرت مؤتمرا للحزب طَرحتُ فيه  أفكار اعتبرها البعض صادمة، بينما كانت في حقيقتها محاولة مبكرة للبحث عن مخرج تاريخي للبلد:
-  توسيع الضمانات الاجتماعية للشباب...
- والذهاب نحو زواج مدني...
- وإخراج الانتماء الديني من السجلات المدنية، بحيث لا يُعرَّف الطفل منذ لحظة ولادته باسم يكشف طائفته أو بيئته أو انتماءه المذهبي...

لم تكن تلك الأفكار التي طرحتها عداءً للدين، بل محاولة لإنقاذ الدولة من التحول إلى مجموعة جزر طائفية متقابلة، ولا اخفي أن ما قلته بني على انطباعات أولية حيث وقفت الحالة الطائفية من زواجي من صبية لم تكن من ذات البنية التي تنتمي إليها بالميلاد طائفيا، فقد خلف لدي هذا عقدة، جعلتني احاول القفز فوق كل هذا الاعتبارات التي أراها مادون ( مدنية )...

وقتها قيل لي من قبل اتخن حاجة في الاجتماع الذي كان يتابع من مقصورة كانت قد أعدت له توفرت فيها كل وسائل الراحة الجسدية وذلك تبعا لحالته الصحية،  إن “ظروف البلد لا تحتمل” وكان هذا بعد أن استدعاني عن طريق أحد أفراد طاقم مكتبه وحرسه الشخصي حتى ضمن المؤتمر، وربما كان ذلك صحيحًا وقتها في حسابات السلطة والخوف والتوازنات لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: 

 - هل احتملت البلاد لاحقًا نتائج تأجيل هذه الأسئلة؟

لقد أثبتت السنوات، وخصوصًا بعد أحداث 2011، أن المجتمعات التي تُبنى على الحساسيات الطائفية المكبوتة تبقى معرّضة للانفجار عند أول صدمة كبرى، وما لم يشعر المواطن أن القانون يراه فردًا كامل الحقوق، لا تابعًا لطائفة، فإن أي حادثة شخصية يمكن أن تتحول إلى أزمة جماعية...

ومن هنا يجب التمييز بوضوح بين أمرين:
الأول:
أن الخطف جريمة لا يمكن تبريرها، ولا تسقط إلا إذا أكدت المرأة البالغة أن ما جرى كان بإرادتها الحرة الكاملة...
والثاني:
أن تحويل الزواج بين الطوائف إلى حقل ألغام اجتماعي وقانوني يدفع بعض الشباب أصلًا إلى الهروب بدل المواجهة، وإلى “الخطيفة” بدل الطريق الطبيعي: الخطبة، والقبول، والزواج العلني الكريم...

فالعاقل الذي يريد بناء أسرة لا يبدأ بالخطف، بل يبدأ بباب البيت. لكن حين تُغلق الأبواب كلها باسم الطائفة والخوف والعادات، تصبح بعض التصرفات اليائسة نتيجةً لانسداد الأفق لا تعبيرًا عن رغبة بالجريمة...

إن القضية هنا ليست الدفاع عن “الخطيفة”، بل الدفاع عن فكرة أبسط وأكبر وهي :
( أن الدولة التي تريد حماية مجتمعها لا تستطيع أن تبقى محكومة بمنطق الطوائف المتقابلة، بل بمنطق المواطنة المتساوية)...

- فالزواج المدني ليس حربًا على الدين، بل حماية للدين من أن يتحول إلى حدود فاصلة بين أبناء الوطن الواحد...
- وربما آن الأوان لكي نسأل أنفسنا بصدق: 
كم من الدم والخراب كان يمكن تجنبه لو انتصرنا مبكرًا لفكرة المواطن… قبل الطائفة؟