
امريكا جادة في سحب كامل قواتها من سورية خلال الشهرين القادمين :
أعلنت الولايات المتحدة رسميًا عن نيتها سحب جميع قواتها من سوريا خلال الشهرين المقبلين، في خطوة تعكس تحولًا إستراتيجيًا غير مسبوق بعد أكثر من عقد من التدخل المباشر في الصراع السوري. ثلاثة مسؤولين أميركيين أكّدوا أن القرار يستند إلى تقييم جديد للواقع العسكري والسياسي على الأرض، حيث لم يعد الوجود الأميركي البري ضرورياً بنفس القوة، بعد تراجع تهديد تنظيم “الدولة الإسلامية” وتوسع سيطرة الحكومة السورية على مناطق شاسعة في الشمال والشرق.
لقد شكّل الوجود الأميركي عنصرًا حاسمًا في رسم موازين القوى. دعم قسد، توفير الغطاء الجوي والاستخباراتي، ومراقبة المناطق الحدودية كانت كلها أدوات جعلت واشنطن لاعبًا رئيسيًا في الملف السوري. لكن مع الانسحاب الأميركي، تواجه سوريا تحولًا ملموسًا في السلطة والنفوذ: تقليص قدرة قسد على التحرك بحرية، وتعزيز سيطرة الجيش السوري على مناطق كانت تحت النفوذ الأميركي، وربما خلق فراغ أمني مؤقت يمكن أن تستغله مجموعات مسلحة لاستعادة مواقعها.
على الصعيد الإقليمي، الانسحاب الأميركي يشكل تغييرًا استراتيجيًا في ميزان القوى. روسيا وإيران ستجدان الفرصة لتعزيز نفوذهما دون قيود على الأرض، فيما قد تضطر تركيا لمراجعة سياساتها تجاه الأكراد عند حدودها الشمالية. بالنسبة لإسرائيل، فإن انتهاء الغطاء الأميركي يفرض إعادة تقييم خططها الأمنية تجاه الأراضي السورية، في مشهد جيوسياسي معقد يختبر قدرة جميع الأطراف على التكيف مع واقع جديد.
أما على المستوى الأميركي، فإن الانسحاب يعكس تحولًا في استراتيجية واشنطن من التمركز البري المكلف إلى التركيز على الأدوات الجوية والاستخباراتية والدبلوماسية، وهو أيضًا رسالة للداخل الأميركي عن نهاية “الحروب المفتوحة” التي استنزفت الموارد وأثقلت السياسة الخارجية الأميركية لعقود.
في الخلاصة، الانسحاب الأميركي ليس مجرد خروج للقوات، بل هو إشارة على نهاية حقبة التدخل المباشر وفتح صفحة جديدة من الحسابات الإقليمية. سوريا تواجه اليوم فرصة لإعادة رسم سيادتها ونفوذها، بينما تتأهب القوى الإقليمية لملء الفراغ وفرض قواعد اللعبة الجديدة. المرحلة المقبلة لن تكون هادئة، لكنها بالتأكيد تمثل لحظة فاصلة، حيث يختبر الواقع الجديد قدرة اللاعبين المحليين والدوليين على ضبط التوازنات ومنع أي فراغ قد يعيد إشعال الصراع.
إن هذه الخطوة الأميركية تمثل أكثر من مجرد انسحاب عسكري؛ إنها رسالة سياسية واستراتيجية، تذكر الجميع بأن سوريا لم تعد مسرحًا للتدخل البري المباشر، وأن النفوذ الحقيقي سيُقاس الآن بالقدرة على المناورة، التحالفات، والاستراتيجية على الأرض.