--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

أمريكا... تعرف كيف تبدأ الحروب ولا تعرف كيف تنهيها

Salah Kirata • ٢‏/٦‏/٢٠٢٦

40033.webp


أمريكا... تعرف كيف تبدأ الحروب ولا تعرف كيف تنهيها :
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

لا يمكن قراءة التاريخ الحديث بإنصاف من دون الاعتراف بأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت القوة الأكثر تأثيراً في العالم خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. فمنذ نشأة الدولة الأمريكية وحتى اليوم، نجحت واشنطن في تحقيق إنجازات كبرى غيّرت وجه العالم، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا حول الوسائل التي استخدمتها للوصول إلى تلك النتائج...

استطاعت الولايات المتحدة أن تفرض سيطرتها الكاملة على قارة بأكملها بعد القضاء على معظم المجتمعات الأصلية التي كانت تعيش فيها. وقد كان ذلك واحداً من أكثر التحولات الجذرية في التاريخ الحديث، بصرف النظر عن الأحكام الأخلاقية التي يمكن أن تُطلق عليه...

واستطاعت كذلك أن تكون أحد الأعمدة الرئيسية لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. كما أنها كانت الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي في الحرب عندما ألقت القنبلتين على هيروشيما وناغازاكي، مساهمة في إنهاء الحرب ضد اليابان، لكن هذا الانتصار لم يكن انتصاراً أمريكياً منفرداً، بل كان انتصاراً لتحالف دولي واسع، بدليل أن العالم لم يتحول بعد الحرب إلى نظام أمريكي خالص، بل انقسم إلى معسكرين متنافسين: شرقي وغربي، لكل منهما منظومته السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية، وقد تأسس حلف شمال الأطلسي في مواجهة حلف وارسو، وكلاهما خرج من رحم الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية...

ثم جاءت الحرب الباردة، وتمكنت الولايات المتحدة عبر عقود طويلة من الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي من استنزاف منافسها السوفيتي حتى انهار الاتحاد السوفيتي وتفككت المنظومة الاشتراكية التي حكمت جزءاً كبيراً من العالم لعقود. ومع انهيار الخصم السوفيتي، وصلت واشنطن إلى ما سُمّي "لحظة الأحادية القطبية"، حين بدا وكأن العالم كله يدور في فلك قوة واحدة لا منافس لها...
40036.png

وهنا لنا أن نقول:
إذا اعتبرنا أن مامررت على ذكره اعلاه يدخل في سياق الإنجازات وفق مقاييس الدول والقوى الكبرى، فإن هذه هي الإنجازات الأمريكية الحقيقية، أما فيما يتعلق بالثورة العلمية والتكنولوجية التي شهدها العالم فلا يجوز اختزالها في دولة واحدة مهما بلغ حجمها. فالعلم نتاج تراكمي إنساني عالمي ساهمت فيه أمم وشعوب وعقول من مختلف القارات، وكانت الولايات المتحدة إحدى المستفيدات الكبرى من هذا التراكم الحضاري الهائل، لا مالكته الحصرية...

لكن المشكلة التي برزت بوضوح خلال العقود الأخيرة هي أن القوة الأمريكية بدت وكأنها تعرف كيف تبدأ الصراعات، لكنها لا تعرف دائماً كيف تنهيها. وربما كان ذلك نتيجة طبيعية لثقة مفرطة بالقوة العسكرية والاقتصادية جعلت صناع القرار في واشنطن يعتقدون أن التفوق وحده كافٍ لصناعة النتائج...

ففي فيتنام دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تتحدث عن وقف المد الشيوعي وحماية العالم الحر، لكنها خرجت بعد سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري والبشري والسياسي في مشهد هز صورتها الدولية وترك جروحاً عميقة في المجتمع الأمريكي نفسه. كانت قادرة على إشعال الحرب، لكنها لم تكن قادرة على فرض النهاية التي أرادتها...

وتكرر المشهد بصورة مختلفة في أفغانستان، فبعد عشرين عاماً من التدخل العسكري الهائل، وجدت واشنطن نفسها تجلس إلى طاولة التفاوض مع حركة طالبان التي دخلت الحرب أصلاً لإسقاطها. وعندما انسحبت القوات الأمريكية عادت الحركة إلى السلطة، بينما تُرك آلاف الحلفاء المحليين أمام مصير مجهول. مرة أخرى كانت البداية أمريكية، أما النهاية فجاءت على نحو مختلف تماماً عما خُطط له...

أما العراق، فالقصة أكثر تعقيداً، فالولايات المتحدة أسقطت الدولة العراقية وغيّرت النظام السياسي بالقوة العسكرية، لكنها لم تستطع بناء الاستقرار الذي وعدت به، ومع مرور السنوات برز النفوذ الإيراني باعتباره أحد أكثر العوامل تأثيراً في تشكيل العراق الجديد. ومن هذه الزاوية يرى كثيرون أن واشنطن نجحت في إسقاط النظام القديم، لكنها لم تكن صاحبة الكلمة الأخيرة في رسم ملامح النظام الذي تلاه. وكأنها، كما في فيتنام وأفغانستان، عرفت كيف تدخل الحرب لكنها لم تعرف كيف تخرج منها وفق الشروط التي وضعتها لنفسها...

واليوم تبدو المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران اختباراً جديداً لهذه المعضلة التاريخية، فبعد عقود من العقوبات والضغوط والتهديدات المتبادلة، تبدو حسابات الحرب الشاملة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، فالقوة الأعظم في العالم تدرك أن إشعال المواجهة قد يكون أسهل بكثير من التحكم بنتائجها، وأن تجارب العقود الماضية أثبتت أن البدايات العسكرية لا تضمن النهايات السياسية، وأقصد أنها فعلا بدأت الحرب على ايران وهي لا تعرف كيف تنهيها، ليس هذا فقط بل فقد ثبت للعالم أن أمريكا تخشى العودة للحرب أكثر مما تخشاها إيران علما أن البادىء كانوا الامريكان...
باختصار:
لقد امتلكت الولايات المتحدة قوة هائلة مكّنتها من تغيير خرائط وأنظمة وموازين دولية بأكملها، لكن التاريخ لا يقاس فقط بالقدرة على البدء، بل أيضاً بالقدرة على الوصول إلى نهاية مستقرة تحقق الأهداف المعلنة. فكم من دولة ربحت معاركها وخسرت ثمار انتصاراتها، وكم من قوة امتلكت القدرة على اقتحام الأبواب لكنها عجزت عن معرفة الطريق إلى المخرج...

وربما تكمن المفارقة الأمريكية الكبرى في أنها ما زالت تنظر إلى العالم بعين القوة أكثر مما تنظر إليه بعين الحكمة، لقد تعلمت كيف تبدأ الحروب، وكيف تحشد الجيوش، وكيف تربح كثيراً من المعارك، لكنها لم تثبت دائماً أنها تعرف كيف تصنع السلام أو كيف تكتب الفصل الأخير من الصراعات التي أشعلتها...

ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام صناع القرار في واشنطن وأمام العالم بأسره وهو:
 - هل تواجه الولايات المتحدة حدود قوتها العسكرية والسياسية، أم أنها تواجه حدود فهمها للعالم الذي تحاول قيادته؟..
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلّد من يفتح أبواب الحروب فقط، بل يخلّد أيضاً من يعرف كيف يغلقها.