
عندما تصبح الفاتورة أثقل من الحياة… أين تقف الدولة من شعبها؟:
في لحظةٍ يُفترض أن تكون فيها الدولة مظلةً تحمي مواطنيها من القسوة، يتحول السؤال إلى جرحٍ مفتوح: إذا لم تكن الدولة لشعبها، فلمن تكون؟
بعد سنواتٍ من التضحيات الثقيلة التي حملها السوريون على أكتافهم، بين الحرب والتهجير وانهيار الاقتصاد وتآكل القدرة الشرائية، كان الأمل أن تكون مرحلة “إعادة البناء” بدايةً لاستعادة الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. لكن ما يحدث اليوم، خصوصًا مع الارتفاع الحاد في تعرفة الكهرباء، يفتح بابًا واسعًا للقلق، لا بوصفه إجراءً اقتصاديًا فحسب، بل كاختبارٍ حقيقي للعلاقة بين المواطن والدولة.
أن تصل فاتورة الكهرباء في بعض الحالات إلى مستوى يتجاوز راتب الموظف الشهري بأشواط، فذلك لا يمكن التعامل معه كرقمٍ في جدول إصلاح اقتصادي. بل هو مؤشر على اختلال عميق في ميزان العدالة الاجتماعية، وعلى فجوة متسعة بين القرارات الاقتصادية والواقع المعيشي للناس. فالإصلاح لا يُقاس بنوايا السياسات، بل بقدرتها على الصمود أمام حياة الناس اليومية دون أن تكسّرها.
لا أحد يجادل في أن ترشيد الدعم ضرورة، وأن استهداف القادرين خطوة لا بد منها في أي اقتصاد يعاني من اختلالات مزمنة. لكن المشكلة ليست في الفكرة، بل في الطريقة. حين تُطبق السياسات دفعة واحدة، وبلا شبكات حماية حقيقية، وبلا تدرج يحمي الطبقة الوسطى والفقيرة، فإن النتيجة لا تكون إصلاحًا اقتصاديًا بل ضغطًا اجتماعيًا خانقًا يهدد الاستقرار المعيشي قبل أي شيء آخر.
الأخطر من ذلك هو الشعور المتنامي لدى المواطن بأن صوته لا يصل. أن القانونيين والمحامين والناشطين وحتى الخبراء، يرفعون التحذيرات ذاتها، لكن دون استجابة تُذكر. وهنا يتحول السؤال من “هل القرار صحيح اقتصاديًا؟” إلى سؤال أكثر حساسية: “من يصغي لمن؟”
لقد قامت الدولة، أو هكذا قيل، على وعود بمحاربة الفساد وتحقيق العدالة وإعادة الاعتبار للمواطن. لكن المواطن اليوم، وهو يقف أمام فاتورة تثقل كاهله، لا يبحث عن الشعارات، بل عن أثرٍ ملموسٍ للعدالة في حياته اليومية. العدالة ليست خطابًا سياسيًا، بل قدرة أسرة على تشغيل الكهرباء دون أن تضطر للاختيار بين الضوء والطعام.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس الغضب، بل فقدان المعنى. حين يشعر الناس أن القرارات تُتخذ بمعزل عنهم، وأن الاقتصاد يُدار كمعادلات باردة لا ترى الوجوه خلف الأرقام، تتآكل الثقة تدريجيًا، حتى تصبح الفجوة بين الدولة والمجتمع أوسع من أن تُرمم بالتصريحات.
لا أحد يطلب المستحيل. المطلوب واضح وبسيط: إعادة النظر الفورية في تسعيرة الكهرباء بما يتناسب مع الواقع المعيشي، بناء منظومة دعم عادلة تستهدف الفئات الأضعف فعلاً لا نظريًا، وإشراك خبراء اقتصاديين مستقلين قادرين على تقديم حلول واقعية لا تُسقط المجتمع في العجز.
إن استمرار السياسات الاقتصادية بمعزل عن قدرة الناس على التحمل لا يُنتج إصلاحًا، بل يُنتج مجتمعًا مرهقًا، يعيش على حافة الانكسار. والدولة التي لا تسمع صرخة مواطنيها، مهما كانت مبرراتها، تُخاطر بأن تفقد أهم ما تملكه: شرعيتها في أعينهم قبل أي شيء آخر.
في النهاية، ليست القضية كهرباء فقط، بل عقد اجتماعي كامل يُعاد اختباره كل يوم. فإما أن تكون الدولة شريكًا في حياة الناس وكرامتهم، أو تتحول إلى عبءٍ إضافي فوق أعبائهم الثقيلة أصلًا.