
عندما يصرخ الحليف في وجه حليفه
ليست الكلمات العابرة هي التي تصنع التاريخ، بل اللحظات التي تكشف ما كان مخفيًا خلف الأبواب المغلقة. ومن بين أكثر المشاهد دلالة خلال الأسابيع الأخيرة ما تردد عن اتصال هاتفي متوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة. فبعيدًا عن صحة الألفاظ المتداولة من عدمها، فإن مجرد تسرب أخبار عن غضب أمريكي من السلوك الإسرائيلي يحمل دلالة تتجاوز تفاصيل المكالمة نفسها.
لقد اعتادت إسرائيل لعقود طويلة أن تتصرف باعتبارها الطرف القادر على جر المنطقة إلى حيث تريد، مستندة إلى تفوق عسكري هائل ودعم غربي غير محدود. لكن ما تشهده المنطقة اليوم يشير إلى أن قواعد اللعبة التي حكمت الشرق الأوسط لعشرات السنين بدأت تتغير بصورة متسارعة، وأن القوة الصلبة وحدها لم تعد كافية لإنتاج النتائج السياسية المرجوة.
فالحديث الدائر حول التهدئة، والمفاوضات غير المباشرة، وحرية الملاحة، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، لا يتعلق في حقيقته بملفات منفصلة. إنها حلقات في أزمة أوسع تتصل بإعادة رسم موازين القوى في منطقة كانت لعقود ساحة شبه محتكرة للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي.
لقد كشفت المواجهات الأخيرة حقيقة مهمة كثيرًا ما تجاهلتها مراكز القرار الغربية، وهي أن امتلاك أحدث الطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع لا يمنح بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية. فالعالم يدخل مرحلة جديدة أصبحت فيها ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا منخفضة الكلفة والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي عناصر مؤثرة لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات والقواعد العسكرية.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل أزمات المنطقة تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فإيران لم تعد مجرد دولة إقليمية يمكن التعامل معها من خلال العقوبات أو التهديدات العسكرية فقط، بل أصبحت لاعبًا حاضرًا في معادلات الطاقة والأمن والتجارة الدولية. كما أن شبكات النفوذ والتحالفات التي نشأت خلال العقود الماضية خلقت واقعًا جديدًا يجعل أي صراع محلي قابلًا للتحول إلى أزمة دولية واسعة التأثير.
ولعل ما يثير القلق داخل إسرائيل اليوم هو أن صورة التفوق المطلق التي جرى تسويقها طويلًا تعرضت لاختبارات قاسية. فالتفوق العسكري ما زال قائمًا، لكن القدرة على تحويله إلى استقرار سياسي دائم تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وهذه هي المعضلة التي تواجهها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة: كيف يمكن تحقيق الأمن بالقوة وحدها في بيئة إقليمية تتغير باستمرار وتزداد فيها أدوات الردع والتأثير لدى الخصوم؟
أما الولايات المتحدة فتبدو أمام اختبار تاريخي لا يقل تعقيدًا. فمن جهة تسعى للحفاظ على مكانتها بوصفها القوة الأكثر نفوذًا في العالم، ومن جهة أخرى تواجه واقعًا دوليًا يتجه تدريجيًا نحو تعدد مراكز القرار والنفوذ. وهذا التحول لا يرتبط بالشرق الأوسط وحده، بل يظهر أيضًا في أوروبا الشرقية وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
فالأزمة الأوكرانية، شأنها شأن أزمات الشرق الأوسط، ليست مجرد نزاع على حدود أو أراضٍ متنازع عليها. إنها تعبير عن صراع أوسع يتعلق بشكل النظام الدولي القادم، وبالسؤال الجوهري حول من يملك حق تحديد قواعد العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
وفي المقابل تتقدم قوى دولية وإقليمية صاعدة بثقة أكبر نحو مواقع التأثير، مستفيدة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية ومن تنامي الرغبة لدى كثير من الدول في تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية. لذلك لم يعد الحديث عن عالم متعدد الأقطاب مجرد شعار سياسي، بل أصبح مسارًا تفرضه الوقائع المتراكمة عامًا بعد عام.
لكن وسط كل هذه الحسابات الاستراتيجية يبقى السؤال الأكثر أهمية: ماذا بعد؟
ماذا سيكون شكل العلاقة بين دول الخليج وإيران بعد انقضاء هذه المرحلة المضطربة؟ وكيف ستتمكن شعوب المنطقة من الانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التعايش والمصالح المشتركة؟ وما هو مستقبل العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد عقود من الحروب والاحتلال والدماء؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من فوهات المدافع ولا من غرف العمليات العسكرية، بل من الاعتراف بحقيقة بات تجاهلها مستحيلًا: لا أحد يستطيع إلغاء الآخر، ولا أحد قادر على احتكار القرار الإقليمي أو الدولي إلى الأبد.
لقد دخل العالم مرحلة جديدة تتراجع فيها فاعلية الهيمنة المنفردة، بينما تتقدم أشكال أكثر تعقيدًا من التوازنات الدولية. وقد يختلف الناس حول سرعة هذا التحول أو شكله النهائي، لكن من الصعب إنكار أن اتجاهه العام أصبح واضحًا.
ولهذا فإن القضية لم تعد تتعلق بمضيق مائي أو ببرنامج نووي أو بجولة جديدة من التصعيد العسكري. القضية الحقيقية هي كيفية إدارة الانتقال من عالم قديم يتراجع تدريجيًا إلى عالم جديد لم تكتمل ملامحه بعد.
أما أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أن بإمكانهم إيقاف حركة التاريخ بالقوة، فقد يكون عليهم أن يجيبوا عن السؤال ذاته الذي تفرضه الوقائع كل يوم: ماذا تفعلون وأنتم تشاهدون العالم يتغير من حولكم؟