
عندما يُخطئ اللاعبون الكبار الحساب:
هناك لحظات في التاريخ يظن فيها صانعو القرار أنهم يملكون القدرة على إعادة تشكيل العالم بضغطة زر، أو بعملية عسكرية خاطفة، أو باغتيال شخصية يعتقدون أن النظام كله يقوم عليها. لكن التاريخ، في معظم الأحيان، يسخر من هذه الحسابات الساذجة.
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يبدو مثالًا حيًا على هذا النوع من سوء التقدير الاستراتيجي.
الفكرة التي سيطرت على بعض دوائر القرار في الغرب كانت بسيطة إلى حد السذاجة: إذا سقط رأس النظام، فسيتداعى الجسد كله. تصوروا أن المجتمع الإيراني سينفجر من الداخل، وأن الشارع سيخرج ضد السلطة، وأن الانقسام الداخلي سيتحول إلى انهيار سياسي سريع. لكن ما حدث – كما يحدث كثيرًا في لحظات التهديد الوجودي – كان العكس تمامًا.
في لحظات الخطر الخارجي، تتراجع الانقسامات الداخلية، ويتحول الصراع السياسي إلى شعور جمعي بالبقاء. حتى أكثر المعارضين حدة يجدون أنفسهم أمام سؤال مختلف: ليس من يحكم، بل هل يبقى البلد أم يُكسر.
وهكذا بدل أن يتحقق السيناريو الذي كان يُراد له أن يشعل الداخل، حدث شيء آخر: نوع من التماسك القومي المفاجئ. فجأة أصبح النقاش الداخلي مؤجلًا، وأصبح العنوان الأكبر هو المواجهة مع الخارج.
لكن الخطأ الأكبر في الحسابات لم يكن هنا فقط.
على مدى سنوات طويلة كان السلوك الإيراني محكومًا بما يمكن وصفه بسياسة "الخطوط الحمراء المدروسة". كان هناك حرص واضح على تجنب إشعال مواجهة شاملة، وعلى إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها. كانت الرسائل تُرسل، والردود تُقاس بدقة، والتصعيد يبقى دائمًا دون العتبة التي قد تفتح أبواب المجهول.
غير أن كسر القواعد يغير طبيعة اللعبة.
عندما تنهار الخطوط الحمراء التي كانت تضبط الإيقاع، يصبح المشهد مختلفًا تمامًا. يتحول التردد إلى اندفاع، والحسابات الباردة إلى ردود فعل مدفوعة بالغضب والرغبة في الردع. عند تلك النقطة تبدأ الأزمات بالخروج من الإطار الذي صُممت له.
وهنا يظهر الخطر الحقيقي.
العالم المعاصر ليس مجهزًا لتحمل صدمة كبرى في شرايين الطاقة. مجرد اضطراب محدود في حركة النفط كفيل بإرباك الأسواق العالمية، فكيف إذا تعطلت واحدة من أهم بوابات الطاقة في العالم؟ عندها لا تصبح الأزمة إقليمية فقط، بل تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية قد تتجاوز في تأثيرها كل ما عرفه العالم منذ أزمات النفط في القرن الماضي.
الأسواق لا تتعامل مع الشعارات، بل مع الأرقام. وعندما تتوقف ملايين البراميل يوميًا عن التدفق، فإن الأمر لا يبقى شأنًا شرق أوسطيًا، بل يصبح أزمة تضرب الاقتصاد العالمي من القلب.
لكن الأخطر من الاقتصاد هو السياسة.
عندما يجد قادة كبار أنفسهم أمام حسابات خاطئة ونتائج لم يتوقعوها، يصبح احتمال المغامرة أكبر. فالقائد الذي يشعر بأن صورته السياسية مهددة قد يميل إلى التصعيد بدل التراجع، خاصة إذا كان محاطًا بدوائر تشجعه على المواجهة بدل الحكمة.
وهنا يكمن القلق الحقيقي.
ليس لأن الحرب محتملة فحسب، بل لأن القرارات قد تُتخذ في لحظة إحباط وغضب، لا في لحظة توازن وعقلانية.
لقد علمتنا تجارب القرن العشرين أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بخطط مدروسة بعناية، بل أحيانًا بسلسلة من الأخطاء وسوء التقدير والغرور السياسي. يبدأ الأمر بخطوة صغيرة يظن أصحابها أنهم يسيطرون عليها، ثم تتحول إلى كرة نار تتدحرج بسرعة لا يستطيع أحد إيقافها.
الشرق الأوسط اليوم يقف على حافة هذا النوع من اللحظات.
لحظة يتقاطع فيها الغرور السياسي مع الحسابات الخاطئة، ويتحول فيها الرهان على الانهيار السريع إلى واقع معقد لا يشبه التوقعات.
التاريخ يقول إن الشعوب قد تنقسم في السياسة، لكنها غالبًا تتوحد عندما تشعر بأن وجودها مهدد. ويقول أيضًا إن من يشعل النار معتقدًا أنه يستطيع التحكم بها، قد يجد نفسه أول من يحترق بها.
لهذا فإن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط الحرب نفسها، بل العقلية التي تعتقد أن الحروب يمكن إدارتها كأنها لعبة شطرنج.
في الواقع، الحروب ليست شطرنجًا.
إنها زلازل.