
انهيار “أسطورة الجاذبية” في السياسة: حين تُستبدل الأسئلة الكبرى بالصور المصنّعة
في زمن الإعلام الرقمي، لم تعد السياسة تُخاض فقط عبر البرامج والأيديولوجيا، بل عبر الصور والانطباعات وسرديات تُصاغ بعناية لتعمل على مستوى اللاوعي قبل الوعي. من هنا ظهرت حول بعض الشخصيات الجدلية في المنطقة هالات لا تقوم على إنجاز سياسي أو مشروع فكري بقدر ما تقوم على “تضخيم الصورة”، ومن بينها ما أُثير حول شخصية أبو محمد الجولاني في سياق تحوّلات ظهوره الإعلامي.
ما يلفت النظر في بعض المراحل ليس الخطاب السياسي وحده، بل انتقال النقاش فجأة من الأسئلة الصلبة عن السلطة والسلاح والمشروع السياسي إلى مساحة أكثر غرابة: الحديث عن الجاذبية، الإعجاب، وحتى أسطرة “كاريزما” شخصية تُقدَّم كأنها طاغية على الآخرين. هذا التحول ليس بريئًا ولا عفويًا في الغالب، لأنه ينقل النقاش من الميدان السياسي إلى الميدان العاطفي، ومن المحاسبة إلى الانبهار.
هنا يمكن فهم الظاهرة عبر مفهوم “السلطة الكاريزمية” عند ماكس فيبر، حيث لا تستمد السلطة مشروعيتها من القانون أو المؤسسات، بل من إيمان الجمهور بامتلاك القائد صفات استثنائية. لكن هذا النوع من الشرعية شديد الهشاشة؛ لأنه قائم على الانطباع لا على البنية، وعلى التلقي لا على التحقق. ومع تغيّر السياق، يتبدد بسرعة.
في حالة التحولات الإعلامية التي رافقت بعض قادة الفصائل المسلحة في سوريا، جرى بناء صورة جديدة: من المقاتل إلى السياسي، ومن خطاب الصدام إلى خطاب الدولة، ومن المظهر العسكري إلى المظهر “المدني”. هذه التحولات ليست نادرة في سياقات ما بعد النزاع، لكنها تصبح أكثر حساسية عندما تُحمَّل بطبقة إضافية من “التجميل الرمزي” الذي يحوّل الشخص إلى أيقونة بدلاً من فاعل سياسي قابل للنقد.
الأكثر إشكالًا هو إدخال البعد العاطفي/الجنسي في تشكيل الصورة العامة. فحين تتحول شخصية سياسية إلى موضوع لإعجاب مفترض أو مفتعل، ويتم تداول روايات عن انجذاب نساء أو شخصيات عامة إليه، فإننا لا نكون أمام تحليل اجتماعي، بل أمام آلية لصرف الانتباه. الرسالة الضمنية هنا ليست عن المرأة أو الإعجاب، بل عن محاولة إعادة تعريف القبول السياسي عبر بوابة غير سياسية: “إذا كان يُعجب، فهو مقبول”.
هذا النوع من التوجيه الرمزي معروف في دراسات الإعلام السياسي، حيث يمكن استخدام ما يشبه “إدارة الانطباع” كما عند إرفنغ غوفمان، لتقديم واجهة جذابة تخفي خلفها أسئلة أكثر تعقيدًا: طبيعة السلطة، شكل الحكم، مستقبل السلاح، وعلاقة الجماعة بالمجتمع والدولة.
ولا يمكن تجاهل أن البيئة الرقمية تسمح بتضخيم هذا النوع من السرديات. فبعض المحتوى قد ينشأ بشكل عضوي من الانبهار أو الانقسام السياسي، بينما قد تقوم حسابات منظمة أو آليات غير شفافة بتكبيره وتكراره حتى يبدو كأنه موجة عامة. هذا النمط معروف في الإعلام الرقمي، لكنه لا يثبت تلقائيًا وجود “مؤامرة مركزية”، بل غالبًا ما يكون مزيجًا من تفاعل عفوي، واستثمار سياسي، وتضخيم خوارزمي.
لكن الأهم أن هذه الأسطورة، مهما بلغت قوتها في الفضاء الافتراضي، تصطدم دائمًا بالواقع. فالكاريزما قد تخلق لحظة انتظار أو انبهار، لكنها لا تكفي لإدارة مجتمع أو بناء دولة. عند الانتقال من الصورة إلى الفعل، تعود الأسئلة الحقيقية: أين القانون؟ كيف تُدار السلطة؟ ما موقع الحريات؟ كيف تُحاسب القوة؟ وما شكل العقد الاجتماعي؟
حينها يتراجع تأثير “الانبهار الشخصي” أمام ثقل الوقائع. فلا الجاذبية، ولا الصورة، ولا تداول القصص العاطفية قادرة على إنتاج شرعية سياسية مستقرة.
الخلاصة أن ما يبدو “أسطورة كازانوفا السياسية” ليس إلا طبقة سطحية من الدعاية أو الانبهار اللحظي، تُستخدم أحيانًا لصرف النظر عن جوهر السياسة. لكن هذه الطبقة لا تصمد طويلًا أمام اختبار الزمن، لأن السياسة في النهاية لا تُحسم في خيال الجمهور، بل في بنية الدولة ومؤسساتها وقدرتها على إنتاج العدالة أو غيابها.
وعندما يعود النقاش إلى جوهره، تسقط الأقنعة الجمالية، ويظهر السؤال الحقيقي بلا مواربة: أي نموذج حكم يُراد، وبأي ثمن، ولصالح من؟
ملاحظة:
لا تنسوا أن ترامب نفسه ساهم بعمق هذه الفكرة لما كان يتحدث بشخصنة عن ملامح وقوة الشرع