--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

عنوان: الوفاء المفقود: من العطاء السوري إلى دم الأبرياء

Salah Kirata • ٢‏/٣‏/٢٠٢٦


6512.jpg

عنوان: الوفاء المفقود: من العطاء السوري إلى دم الأبرياء:

في العام ٢٠٠٦، وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، أثبت السوريون بأفعالهم أن الإنسانية لا تعرف حدودًا ولا طوائف. استقبلوا في بيوتهم أسرًا وعوائل خرجت من لبنان هربًا للحفاظ على حياتها، جميعهم من حاضنة حزب الله. لم يكن مجرد استقبال عابر، بل اقتسم السوريون مع هؤلاء النازحين منازلهم ومأكولاتهم، فتدفقت قلوبهم بالرحمة والمحبة، وكان ذلك أطيب من العسل على نفوسهم. كانت هذه لحظة نبل حقيقي، وأثبت السوريون أنهم قادرون على التضحية من أجل حياة الآخرين، دون النظر إلى انتماءاتهم أو هوياتهم السياسية. في تلك الأيام، تجلّت الإنسانية في أبهى صورها، وترك هذا الفعل أثره في وجدان كل من عاش تلك اللحظات، إذ رأى أن الحب والعطاء أحيانًا يكونان أصدق من أي خطاب سياسي أو دعائي.

لكن السنوات القليلة التالية قلبت المشهد رأسًا على عقب. ففي العام ٢٠١١، ومع اندلاع الأزمة السورية، جاء الرد من حزب الله اللبناني، الحزب الذي احتضنته سوريا وقدمت له كل الدعم في لحظات ضعفه، ليصبح قاتلاً على الهوية. بتوجيه من أمينه العام حسن نصر الله، والذي نفذ فتوى على أساس توصية من علي خامنئي، تم اعتبار سقوط نظام الأسد خطًا أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه، بغض النظر عن الثمن البشري. وهكذا تحوّل الوفاء الجميل الذي قدمه السوريون إلى فتنة ودم، واستهدف الحزب اللبناني أغلب الشعب السوري من العرب السنة، من خلال قتل متعمد تحت ذرائع الدفاع عن مراقد الشيعة أو لاحقًا عبر ما يُسمّى بالتحرير من القدس، مستخدمًا دمار المدن والقرى والبلدات السورية كوسيلة للضغط وإرهاب الأبرياء.

إن المقارنة بين العامين تكشف عن مأساة مزدوجة: السوريون قدموا كل ما يملكون من دعم وإيواء، وردّ البعض عليهم ليس بالشكر أو الاعتراف، بل بآلة قتل منظمة ومدروسة، استهدفت الأبرياء على أساس الهوية، وليس على أساس أي فعل أو موقف سياسي. هذه الحلقة من التاريخ الحديث تكشف هشاشة الوفاء المشروط، والخطر الذي ينشأ عندما يُختزل الوفاء إلى مصالح سياسية أو حسابات استراتيجية، بعيدًا عن الإنسانية والضمير. لقد أظهر التاريخ أن الوفاء الحقيقي يقاس بالعمل الإنساني في الأزمات، لا بالقتال نيابة عن محور سياسي أو ديني.

وفي نهاية المطاف، تظل هذه التجربة درسًا صارخًا: العلاقات بين الشعوب لا يجب أن تتحوّل إلى أوراق مساومة سياسية، ولا يمكن للإنسانية أن تكون حكرًا على فترة زمنية أو لحظة معينة. العطاء الذي يثري القلوب لا يمكن مقارنته بآلة القتل، ولا يمكن للدماء أن تتحول إلى رصيد سياسي. بين العطاء الذي يرفع النفوس والانتقام الذي يسحقها، يبرز دور الضمير والإنسانية كخيار أخلاقي يتجاوز الحسابات السياسية. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الوفاء الحقيقي يتطلب شجاعة وأخلاقًا تفوق أي حساب استراتيجي، وأن الانحراف عن هذا المبدأ يولّد ألمًا دائمًا وذكريات لن تُمحى بسهولة.

في النهاية، التاريخ لا ينسى، والقلوب تتذكر. ما حدث في ٢٠٠٦ و٢٠١١ ليس مجرد حادثتين منفصلتين، بل درس في قيم الوفاء والإنسانية، وعبرة صارخة عن عواقب خيانة تلك القيم. سوريا قدمت الحب والعطاء بلا حدود، وللأسف تلقت ردًا دمويًا على أبسط حقوقها الإنسانية، وهذا يكشف بوضوح أن الوفاء لا يُطلب بالقوة، بل يُختبر في أفعال صغيرة كبيرة، في حياة الناس اليومية، وفي الإنسانية التي تُترجم إلى بيت مفتوح وطعام مشترك قبل أن تتحول إلى دماء وصواريخ.