
عصام بويضاني وجيش الإسلام: قيادة ما بعد المؤسس في قلب الغوطة المحاصرة.
في مسار الحرب السورية، لم تكن الشخصيات القيادية في الفصائل المسلحة نتاجًا ثابتًا لبنية سياسية أو عسكرية مستقرة، بل كانت في كثير من الأحيان أبناء لحظات استثنائية تشكلت تحت الضغط، وتبدلت أدوارها مع تبدل ميزان القوة على الأرض. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم عصام بويضاني بوصفه أحد الوجوه التي صعدت داخل واحدة من أكثر الساحات تعقيدًا: الغوطة الشرقية بريف دمشق، حيث تداخل العسكري بالمدني، والسياسي بالمعيشي، تحت حصار طويل وصراع مفتوح.
برز جيش الإسلام كأحد أكبر الفصائل المسلحة في محيط العاصمة دمشق، مستفيدًا من بنية تنظيمية أكثر انضباطًا مقارنة بغيره من الفصائل المحلية. وقد ارتبط اسمه بشكل أساسي بقائده المؤسس زهران علوش، الذي أسّس لنمط قيادة شديد المركزية، جمع بين العمل العسكري وإدارة الشأن المحلي داخل مناطق السيطرة. غير أن مقتل علوش في نهاية عام 2015 شكّل نقطة تحول مفصلية، إذ انتقلت القيادة إلى عصام بويضاني في مرحلة كانت الغوطة فيها تدخل أكثر مراحلها حساسية من الحصار والتفكك والضغط العسكري.
لم يكن انتقال القيادة مجرد تغيير إداري داخل فصيل مسلح، بل كان انتقالًا في طبيعة الاختبار ذاته. فبويضاني لم يتسلم تنظيمًا في حالة صعود، بل ورث بنية تواجه استنزافًا متصاعدًا، وضغوطًا عسكرية متواصلة، وتعقيدات داخلية تتعلق بالعلاقة بين الفصائل المختلفة داخل الغوطة. في تلك المرحلة، لم تعد المسألة مسألة توسع أو تثبيت نفوذ، بل إدارة بقاء في مساحة جغرافية تتقلص تدريجيًا تحت الحصار.
حافظ جيش الإسلام خلال هذه المرحلة على حضوره كقوة رئيسية داخل الغوطة، واستمر في لعب دور عسكري وتنظيمي مؤثر، إلى جانب مشاركته في مسارات تفاوض غير مباشرة برعاية دولية. إلا أن هذا الحضور لم يكن منفصلًا عن حالة التوتر الدائمة مع فصائل أخرى، أبرزها فيلق الرحمن، الذي مثل نموذجًا مختلفًا في البنية التنظيمية والتحالفات، مما جعل الغوطة ساحة توازنات داخلية لا تقل تعقيدًا عن المواجهة مع القوات الحكومية.
وعند مقارنة جيش الإسلام بجبهة النصرة في تلك المرحلة، يتضح اختلاف جوهري في طبيعة المشروعين. فبينما حملت جبهة النصرة طابعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود مرتبطًا بالتيارات الجهادية العالمية، سعى جيش الإسلام إلى تقديم نفسه كفصيل محلي مرتبط بسياقه الاجتماعي في ريف دمشق، رغم اشتراك الطرفين في بنية العمل المسلح داخل بيئة الحرب نفسها. هذا التمايز لم يكن نظريًا فقط، بل انعكس على طبيعة العلاقات السياسية والإدارية داخل المناطق المحاصرة.
مع خروج مقاتلي الغوطة الشرقية عام 2018، انتهت مرحلة مركزية في تاريخ هذا الفصيل، وانتقل عصام بويضاني مع من تبقى من قواته إلى شمال سوريا ضمن ترتيبات الإجلاء. هناك، تراجع الدور العسكري المباشر للفصيل مقارنة بما كان عليه داخل محيط دمشق، في ظل بيئة فصائلية أكثر ازدحامًا وتنوعًا في مراكز القوة والنفوذ.
عند النظر إلى شخصية عصام بويضاني بعيدًا عن السجال السياسي، يمكن فهمه كقائد جاء في لحظة انتقالية، لم يكن فيها صانع مشروع بقدر ما كان مديرًا لمرحلة معقدة من مشروع قائم بالفعل. فقيادته لم تُبنَ في ظروف التأسيس الأولى، بل في مرحلة إدارة التراجع تحت الضغط، وهو نوع مختلف تمامًا من القيادة يختبر القدرة على التوازن أكثر مما يختبر القدرة على التوسع.
وفي المحصلة، فإن تجربة بويضاني وجيش الإسلام داخل الغوطة الشرقية تعكس جزءًا من تعقيد المشهد السوري ذاته، حيث تتداخل حدود الفعل السياسي مع العسكري، ويصعب فصل الأدوار الفردية عن السياقات العامة التي أنتجتها الحرب. وهي تجربة تبقى قابلة لقراءات متعددة، لا تستقر على حكم واحد بقدر ما تكشف عن طبيعة مرحلة كانت فيها كل الخيارات محدودة، وكل القرارات محكومة بميزان قوة غير ثابت.