
عصر “قراقوش” المعولم… حين تتحول القوة إلى مزاج يحكم العالم
لم يعد “قراقوش” مجرد شخصية خرجت من كتب الحكايات الشعبية، ولا مجرد مثال ساخر على حاكم يطلق أحكامه بلا منطق أو توازن. لقد تحول عبر الزمن إلى رمز سياسي واجتماعي دائم الحضور، يُستدعى كلما اختلّ ميزان القرار، أو انقطعت الصلة بين السلطة والعقل، وبين الحكم والنتائج.
لكن المفارقة في زمننا أن هذا النموذج لم يعد محصورًا في حدود مدينة أو دولة، بل بات يتجلى في مستويات أعلى بكثير، حيث تتخذ قرارات كبرى في مراكز قوة عالمية، فتتجاوز آثارها الجغرافيا والسياسة لتصل إلى الاقتصاد العالمي في لحظات، وتعيد تشكيل خرائط المصالح والتحالفات دون إنذار مسبق.
في هذا المشهد، تبدو بعض السياسات وكأنها لا تصدر عن رؤية استراتيجية مستقرة، بل عن حالة من التبدل السريع في المزاج السياسي، حيث تختلط الحسابات الاقتصادية بالرسائل السياسية، وتصبح القرارات الكبرى أقرب إلى ردود فعل آنية منها إلى مشاريع طويلة النفس. وهنا تحديدًا يبدأ الاضطراب الحقيقي: حين تفقد القوة ثباتها، وتتحول من منظومة إدارة إلى أداة مفاجأة مستمرة.
إن خطورة هذا النمط لا تكمن فقط في القرارات ذاتها، بل في أثرها التراكمي على عالم شديد الترابط. فاقتصاد اليوم لم يعد يقبل الاهتزاز المعزول، ولا السياسة تحتمل التجريب المفتوح دون كلفة، لأن كل قرار في القمة يولد ارتدادًا في القاع، وكل توتر في المركز ينعكس ارتباكًا في الأطراف.
ولأن العالم ليس ساحة بلا ردود فعل، فإن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر دون أن تخلق قوى موازنة، سواء عبر مؤسسات دولية، أو عبر مصالح متقاطعة تفرض قدرًا من التهدئة، أو حتى عبر الإرهاق الطبيعي الناتج عن كثرة الصدمات السياسية والاقتصادية.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا مفتوحًا على كل الاحتمالات: هل نحن أمام مرحلة عابرة من “سياسة المزاج”، أم أمام تحول أعمق في بنية النظام العالمي نفسه، حيث تتراجع القواعد لصالح القرار اللحظي؟
في كل الأحوال، التاريخ لا يمنح تفويضًا دائمًا للفوضى، ولا يترك العالم طويلًا تحت إدارة القرارات المتقلبة. فكل موجة اندفاع، مهما بلغت قوتها، تصطدم في النهاية بحاجز التوازن، ولو بعد حين.