
اتصال يتجاوز الهاتف… هل تبدأ صفحة جديدة بين دمشق والكتائب؟
في السياسة، ليست كل الأحداث تُقاس بحجمها الظاهر. أحياناً يكون اتصال هاتفي واحد كافياً ليحمل رمزية أكبر من بيانات وخطابات طويلة. وهذا ما يفسر الاهتمام الذي أثاره الاتصال الذي أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع مع رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل، وهو اتصال استمر أكثر من ساعة وتناول التطورات الإقليمية ومستقبل العلاقات بين لبنان وسوريا، وسط أجواء وصفت بالإيجابية وإمكانية فتح صفحة جديدة بين البلدين.
في ظاهر الأمر قد يبدو الخبر مجرد تواصل سياسي طبيعي بين طرفين في المنطقة. لكن حين نضعه في سياقه التاريخي، يتضح أن الأمر أبعد من ذلك بكثير. فالعلاقة بين دمشق وحزب الكتائب اللبنانية كانت طوال عقود واحدة من أكثر العلاقات توتراً في تاريخ السياسة اللبنانية. إنها علاقة تشكلت في قلب الحروب الأهلية، والصراعات الإقليمية، والاتهامات المتبادلة، حتى أصبحت رمزاً لصدام سياسي طويل بين مشروعين ورؤيتين للبنان والمنطقة.
لهذا السبب تحديداً يكتسب هذا الاتصال معناه الحقيقي. فهو لا يمثل مجرد حوار عابر بين رئيس دولة وزعيم حزب، بل هو كسر لحاجز تاريخي ظل قائماً لعقود طويلة. إن التواصل بين دمشق والكتائب لم يكن أمراً مألوفاً في الذاكرة السياسية اللبنانية، بل كان أقرب إلى المستحيل في مراحل كثيرة من تاريخ البلدين.
لكن السياسة، بخلاف الذاكرة، لا تعيش على الماضي وحده. فالتحولات الإقليمية التي تعصف بالمنطقة اليوم تدفع كثيراً من القوى إلى إعادة قراءة حساباتها، وفتح قنوات كانت مغلقة طويلاً. من هنا يمكن فهم رمزية هذا الاتصال: إنه مؤشر إلى أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة إعادة ترتيب العلاقات والتحالفات، حيث يصبح الحوار بين الخصوم القدامى ضرورة سياسية لا خياراً عابراً.
بطبيعة الحال، لا يمكن المبالغة في تفسير حدث واحد. فالاتصالات الهاتفية لا تغيّر المعادلات فوراً، ولا تعيد رسم خرائط النفوذ بين ليلة وضحاها. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن مثل هذه الخطوات تحمل رسائل سياسية واضحة: أن القطيعة الدائمة ليست قدراً في السياسة، وأن التحولات الكبرى تبدأ غالباً بإشارة صغيرة، أو بكسر أول جدار من جدران الماضي.
بالنسبة للبنان، الذي يقف اليوم أمام تحديات وجودية تمس سيادته واستقراره ومستقبله الاقتصادي والسياسي، فإن أي محاولة لفتح قنوات تواصل إقليمية جديدة قد تكون جزءاً من عملية إعادة تعريف موقعه في المنطقة. أما بالنسبة لسوريا، فإن بناء علاقات مختلفة مع مختلف القوى اللبنانية قد يعكس توجهاً نحو صيغة جديدة للعلاقات بين البلدين تقوم على الندية والتعاون بدلاً من الإرث الثقيل الذي خلفته عقود الصراع.
لهذا كله يمكن القول إن أهمية هذا الاتصال لا تكمن في مضمونه فقط، بل في رمزيته السياسية. ففي بعض الأحيان، يكون الحدث الحقيقي في السياسة هو مجرد حدوث الاتصال نفسه بعد قطيعة طويلة. لأنه يعني ببساطة أن باباً ظل مغلقاً لسنوات… قد فُتح أخيراً، ولو قليلاً.