
أوهام الشماتة… حين يُستبدل الصراع الحقيقي بخطاب المظلومية
كثير من النقاشات الدائرة اليوم حول الصراع الدائر بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما يرافقه من شماتة المستضعفين العرب العالقين بين طرفي الصراع لاحول لهم ولاقوة، علما أن خطاب إيران بدءا من مرشدها لأصغر مقاتل في الجيش الايراني أو الحرس الثوري لا يعدو أن يكون محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتضليل الوعي، كون يقديم الموضوع وكأنه مسألة دينية أو فقهية معقدة، بينما هو في حقيقته سلوك نفسي بسيط يظهر في لحظات الصراع: الناس تفرح عندما يضعف من يظلمها، وهذه حقيقة إنسانية لا تحتاج تنظيراً.
لكن الخطورة ليست في الفرح ذاته، بل في تحويله إلى “جريمة أخلاقية” فقط عندما يتعلق الأمر بطرف معين، بينما يُبرر ويُضخَّم ويُحتفى به عندما يخدم أطرافاً أخرى. هذا التناقض يكشف أن القضية ليست أخلاقية بقدر ما هي انتقائية مرتبطة بالاصطفاف السياسي.
في خضم هذا الجدل، تُستخدم نصوص دينية ومقولات فقهية بشكل انتقائي لخدمة سردية محددة، بينما يتم تجاهل السياق الحقيقي الذي نشأت فيه تلك الأحكام. الإسلام لم يكن يوماً مشروعاً لتجريم الشعور بالارتياح عند زوال الظلم، بل على العكس، اعتبر نصرة المظلوم قيمة مركزية. أما تحويل هذا الشعور إلى “عيب مطلق” أو “خطيئة” في كل الأحوال، فهو قراءة مشوهة تخدم من يريد كبح أي رد فعل طبيعي تجاه الظلم.
وفي المقابل وهذا ما هو حقيقي وواقعي لأنه يعيد انتاج خطاب سياسي واضح لا يمكن تجاهله، وعلى رأسه ما تصدره إيران من روايات قائمة على المظلومية التاريخية المصطنعة. هذا الخطاب ليس بريئاً ولا عفوياً، بل هو أداة أيديولوجية هدفها السيطرة على العقول قبل السيطرة على الجغرافيا. يتم استدعاء التاريخ، وإعادة تشكيله، وتغليفه بثوب ديني لإقناع الجمهور أن الصراع القائم هو امتداد لصراع عقائدي قديم.
الحقيقة أبسط وأوضح من ذلك بكثير: لا يوجد صراع ديني حقيقي، بل صراع نفوذ ومصالح، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الأمن والاقتصاد. الحديث عن “حروب مقدسة” أو “معارك عقائدية” ليس إلا غطاءً إعلامياً لتبرير التوسع، وتعبئة الأنصار، وتخدير العقول.
حين تفكك هذا الخطاب، يظهر جوهره الحقيقي: مشروع سياسي يستخدم الدين كوسيلة تعبئة، لا كمرجعية التزام. وهذا النوع من الخطاب يعتمد بشكل كبير على فكرة “المظلومية الدائمة” لإبقاء الجماهير في حالة تعبئة مستمرة، حيث يُطلب منهم أن يروا أنفسهم دائماً ضحايا، وأن يروا الآخرين دائماً أعداء.
أما الشماتة في هذا السياق، فهي ليست “قيمة” بقدر ما هي انعكاس لحالة صراع قائمة. الشعور بالفرح عند سقوط الظالم ليس فضيلة مطلقة، لكنه أيضاً ليس جريمة مطلقة كما يُراد له أن يُصوَّر. هو رد فعل إنساني مرتبط بميزان القوة والظلم، ويُقاس بقدر ما في الحدث من إنصاف أو استمرار للظلم، لا بمدى توافقه مع خطاب مثالي منفصل عن الواقع.
المشكلة الحقيقية ليست في من يفرح بزوال ظالم، بل في من يحاول فرض قراءة واحدة للأخلاق تخدم طرفاً سياسياً دون غيره. هذه الازدواجية هي الخطر الحقيقي، لأنها تُفرغ القيم من معناها، وتحوّلها إلى أدوات ضغط بدل أن تكون معايير عدل.
وفي النهاية، ما يجري ليس صراعاً بين عقائد، بل صراع على النفوذ، يُستخدم فيه كل شيء: الدين، التاريخ، الإعلام، وحتى المفاهيم الأخلاقية. ومن يصرّ على قراءة هذا الصراع كحرب دينية، إما أنه لا يفهم الواقع، أو يتعمد تجاهله.