
أول تهنئة بعد ١٥ عامًا:
سقوط النظام والحياة المهدورة.
يهنئون جماعة “أحمدنا” بعضهم بعضًا كي يغيظوا طائفة “الأسد”، بالذكرى الخامسة عشرة للثورة، وكأن ما نعيشه لجهة النتيجة قد أحدث فارقًا في ما يتعلق بحياة المواطنينر أما لجهة الفعل السياسي، فما حدث من صعود وسقوط يوم ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ كان مريبًا بكل المعايير الموضوعية العسكرية والسياسية: لم يكن صعودًا وسقوطًا لشخصيات، بل نظامًا بأكمله، بطريقة دراماتيكية، مضحكة، ومريبة، مع تغييرات جذرية اعتمدت البعد الجهادي والأساس الإرهابي في اختيار معظم مفاصل الدولة.
أما لجهة الحالة المعيشية، فهي أسوأ آلاف المرات مما كانت عليه قبل ١٥ / ٣ / ٢٠١١ فقد كان الحد الأدنى للأجور المعفى من الضرائب يساوي ٢٢٠ دولارًا، فيما كانت الدولة السورية التي تم إسقاطها تدعم المواد الأساسية والخدمات المتعلقة بالحالة المعيشية منذ عام ١٩٦٣، وكان ما يمس لقمة عيش المواطن السوري خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه. اليوم، ومع انهيار العملة، وارتفاع الأسعار بمئات المرات، والتضخم المستمر، أصبح الحد الأدنى للأجور بلا قيمة فعلية، وأصبح المواطن عاجزًا عن تلبية أبسط احتياجاته اليومية...
إضافة إلى ذلك، القوة الشرائية لراتب المواطن اليوم لا تتجاوز أقل من ٥٪ مما كانت عليه قبل الثورة، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل السكر والرز والزيت والخبز بنسبة تتراوح بين 500٪ و1000٪ تقريبًا، مما يضع معظم الأسر أمام أزمة بقاء حقيقية. الكهرباء والماء والخدمات الأساسية أصبحت مكلفة وغير مستقرة، فيما الدعم الحكومي الذي كان متوافرًا بشكل دائم منذ 1963 قد اختفى بالكامل...
أما الأداء السياسي، فيمكن أن تكتب تكاد لا تنتهي، وكلها تعيد إلى الأذهان فكرة واحدة:
“من كان منكم بلا خطيئة أيها السوريون، فليرجم أخاه السوري بحجر”...
الفعل السياسي لم يكن إصلاحًا، بل إعادة بناء الدولة وفق منطق جهادي وإرهابي، بعيدًا عن أي مصلحة حقيقية للمواطن أو الدولة، وبعيدًا عن أي خطة وطنية واضحة، لتصبح كل مفاصل الدولة مرتبطة بعقلية جديدة تحكمها القوة والانتقام والتنافس الداخلي...
تهاني جماعة “أحمدنا” تحمل في طياتها استعراضًا ساخرًا، وكأنها تقول إن الثورة حققت شيئًا ما، بينما الواقع على الأرض ينطق بالعكس، فالمواطن السوري أصبح رهينة أزمة معيشية غير مسبوقة، ومحاصرًا بين انهيار الدولة وفوضى سياسية خانقة وأزمة اقتصادية حقيقية، فأي حديث عن إصلاح أو تقدم يظل مجرد خطاب بلا أثر ملموس على حياة الناس...
والمفارقة الأكثر قسوة أن الدولة التي تم إسقاطها لم تكن تتردد في حماية المواطن. منذ ١٩٦٣، كان الدعم الحكومي للمواد الأساسية والخدمات المعيشية ثابتًا، وكان أي مساس بقمة عيش المواطن بمثابة خط أحمر. واليوم، بعد ١٥ عامًا، أصبح المواطن السوري يشهد انهيارًا في كل ما كان مضمونًا، سواء كان راتبه، قوته الشرائية، أو استقراره المعيشي...
الدرس واضح:
الثورة لم تثمر سوى مزيد من الأزمات، سواء على المستوى المعيشي أو الأداء السياسي. مقارنة اليوم بما كان قبل ٢٠١١ يظهر الفرق الشاسع، فالدولة كانت تهتم بالمواطن، وأمنت له حدًا أدنى للحياة الكريمة، أصبحت اليوم عاجزة عن حماية أبسط مقومات الحياة. السوريون مدعوون اليوم إلى قراءة الواقع بعيون صافية، وفهم أن الفعل السياسي الحقيقي لا يقاس بالتهاني أو الصعود والسقوط، بل بالنتائج التي تؤثر فعليًا على حياة المواطنين اليومية.