
“أولوية الجوار”… خطاب الطمأنة أم إعادة إنتاج النفوذ؟
تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن “دول الجوار أولوية لنا” تبدو، للوهلة الأولى، جملة دبلوماسية مألوفة، من ذلك النوع الذي يُستخدم لخفض التوتر وتجميل صورة السياسة الخارجية. لكن قراءة هذا التصريح بمعزل عن السياق الإقليمي الذي تتحرك فيه إيران، تبدو أقرب إلى تجاهل متعمد لطبيعة الدور الذي لعبته طهران خلال العقود الماضية في محيطها العربي.
المسألة هنا ليست لغوية ولا تتعلق بصياغة بروتوكولية عابرة، بل بسؤال جوهري: ماذا تعني “أولوية الجوار” في العقيدة السياسية الإيرانية؟ هل هي فعلًا تعبير عن حسن نية وتوجه نحو الاستقرار؟ أم أنها إعادة تغليف لمفهوم أوسع وأكثر صلابة، يقوم على اعتبار الجوار مجالًا حيويًا للأمن القومي الإيراني، وبالتالي ساحة مفتوحة للتأثير، وأحيانًا للتدخل المباشر وغير المباشر؟
القراءة الأولى، “المسالمة”، تفترض أن إيران تحاول اليوم إعادة تموضعها إقليميًا تحت ضغط العقوبات والعزلة والتحديات الاقتصادية، وأن خطاب حسن الجوار هو محاولة لخفض التصعيد وفتح نوافذ تفاهم مع بيئة عربية وإقليمية مرهقة أصلًا من الحروب والتوترات. هذه القراءة لا يمكن نفيها بالكامل، لكنها تبقى سطحية إذا لم توضع في ميزان التجربة الفعلية.
أما القراءة الثانية، فهي التي تستند إلى مسار طويل من الوقائع لا يمكن تجاهلها بسهولة. فإيران لم تتعامل مع دول الجوار في معظم محطاتها بوصفها دولًا ذات سيادة مستقلة فحسب، بل بوصفها ساحات مترابطة ضمن منظومة أمنية وسياسية تعتبرها امتدادًا طبيعيًا لنفوذها. ومن هنا نشأ مفهوم “العمق الاستراتيجي” و”محور المقاومة”، لا كشعارات سياسية، بل كأدوات عملية لإعادة تشكيل موازين القوى داخل دول المنطقة.
في العراق، لم يعد الحديث عن نفوذ إيراني مجرد تحليل سياسي، بل واقع متجذر في بنية النظام السياسي وشبكة الفصائل المسلحة. وفي لبنان، تحولت المعادلة إلى نموذج شبه مكتمل لدمج قوة عسكرية منظمة داخل القرار السياسي الداخلي، بما يتجاوز فكرة الدعم إلى فكرة الشراكة في القرار. أما في اليمن، فقد أصبح الصراع جزءًا من توازنات إقليمية أوسع، تلعب فيه طهران دورًا لا يمكن عزله عن مجريات الحرب ومساراتها السياسية. وفي سوريا، كان التدخل الإيراني الأكثر وضوحًا في تحويل مسار الصراع من شأن داخلي إلى ساحة إقليمية ودولية مفتوحة.
هذا التراكم من الوقائع يجعل من الصعب جدًا تصديق أن عبارة “أولوية دول الجوار” هي مجرد إعلان حسن نية دبلوماسي. فالدبلوماسية، في الحالة الإيرانية، غالبًا ما تتحرك بالتوازي مع بنية نفوذ قائمة بالفعل على الأرض، لا بمعزل عنها.
ومع ذلك، لا يمكن الوقوع في تبسيط مقابل يُلغي كل التعقيدات. فإيران ليست قوة تتحرك في فراغ، والمنطقة نفسها لم تكن يومًا مستقرة أو محصّنة من التدخلات الخارجية المتعددة. لكن الفارق هنا أن بعض السياسات الإقليمية لا تكتفي بالتأثير غير المباشر، بل تسعى إلى تثبيت حضور بنيوي داخل الدول، عبر وكلاء محليين أو شبكات نفوذ ممتدة.
من هنا، تصبح عبارة “أولوية الجوار” أقرب إلى خطاب مزدوج الطبقات: طبقة دبلوماسية ناعمة تخاطب الخارج بلغة التهدئة، وطبقة استراتيجية صلبة ترى في الجوار امتدادًا طبيعيًا للأمن القومي ومجالًا مشروعًا لإعادة تشكيل التوازنات.
في النهاية، لا يمكن قراءة هذا التصريح كجملة بريئة أو معزولة. إنه جزء من خطاب سياسي طويل، يتقاطع فيه الدبلوماسي مع الاستراتيجي، وتختلط فيه لغة حسن الجوار مع منطق المجال الحيوي. وبين هذين الخطين، تبقى دول المنطقة هي مساحة الاختبار الحقيقية: هل نحن أمام تحول في السلوك؟ أم مجرد إعادة تدوير للنهج نفسه ولكن بعبارات أكثر نعومة؟