
ازدواجية المعايير في زمن الضغوط الإقليمية:
تتّسم النقاشات العربية حول الدور الإيراني في المنطقة بحدّة لافتة، تتضاعف كلما تصاعدت الضغوط الإقليمية على إيران أو تفاقمت الأزمات في ساحات عربية هشّة، وبين هذين المسارين، يبرز سؤال جوهري وهو:
- هل يمكن الفصل بين التعاطف مع دولة تتعرّض لضغوط واستهدافات متواصلة من قوى دولية نافذة، وبين تقييم سياساتها الإقليمية بميزانٍ نقديّ مستقل؟..
إنّ الاصطفاف السياسي مع سياسات نظام يقوده علي خامنئي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تعبيرًا عن موقف أخلاقي شامل، بل باعتباره اختيارًا سياسيًا قابلًا للنقد والمراجعة، فالتعرّض للضغط الخارجي لا يمنح حصانة من المساءلة، كما أنّ رفض الهيمنة الدولية لا يستلزم القبول بتوسيع النفوذ الإقليمي على حساب سيادة دول عربية أو تماسك مجتمعاتها، التوازن المطلوب هنا هو الاعتراف بحقّ الدول في الدفاع عن نفسها، وفي الوقت ذاته الإصرار على أنّ هذا الحقّ لا يبرّر التدخّل في شؤون الآخرين أو تغذية الاستقطابات الداخلية...
تظهر الإشكالية حين تتحوّل المواقف إلى ازدواجية في المعايير، نُدين الهيمنة عندما تأتي من الخارج، لكننا نغضّ الطرف عندما تتجلّى بأشكال مختلفة داخل الإقليم، نتعاطف مع دولة تتعرّض للضغط، ثم نقلّل من شأن معاناة مجتمعات عربية تجد نفسها ساحة صراعات بالوكالة، هذا الخلل في المعايير لا يخدم بناء موقف عربي مستقل، بل يرسّخ منطق المحاور ويُضعف القدرة على صياغة رؤية تقوم على مصلحة الشعوب واستقرار الدول...
في المقابل:
من المهمّ تفهّم دوافع بعض الأصوات العربية التي ترى في الاصطفاف مع إيران محاولةً لخلق توازن ردع في بيئة إقليمية مضطربة، هذا الفهم لا يعني تبرير الموقف، بل الإقرار بأنّ جزءًا من هذا الاصطفاف نابع من شعورٍ بخيبة الأمل من منظومات دولية لم تُنصف قضايا المنطقة، ومن خوفٍ من فراغ استراتيجي يُستغلّ ضد الدول الأضعف، غير أنّ تحويل هذا القلق إلى قبولٍ بسياسات تتعارض مع مبدأ السيادة العربية يظلّ إشكاليًا، لأنّه يُنتج اعتمادًا جديدًا بدل بناء بدائل ذاتية.
ختاماً:
أرى أنّ الموقف الأكثر اتساقًا هو الذي يرفض الهيمنة في كلّ صورها، ويُبقي معيار السيادة وحقوق الشعوب ثابتًا لا يتغيّر بتغيّر التحالفات، إذ يمكن الجمع بين التعاطف الإنساني مع شعبٍ يتعرّض لضغوط واستهدافات، وبين النقد الصريح لسياسات إقليمية تُضعف استقرار دول عربية أو تُفاقم انقساماتها الداخلية، فما نحتاجه ليس مزيدًا من الاصطفاف، بل إعادة تثبيت البوصلة على قيم واضحة، سيادة الدول، كرامة الإنسان، ورفض الوصاية مهما كان مصدرها.