
بعد “سوريا الأسد”: الدولة ليست شخصاً… بل عقداً لا يُختزل
سقوط النموذج الذي تشكّل في سوريا منذ عام 1970، وتكرّس عبر عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، لا يمكن قراءته كتحول سياسي تقليدي بين سلطة وأخرى. ما انتهى عملياً هو طريقة كاملة في تصور الدولة نفسها، حيث تدرّجت الفكرة من كونها كياناً مؤسسياً إلى أن أصبحت مرهونة بشخص الحاكم، ثم بدائرته الضيقة، وصولاً إلى لحظة بات فيها القرار العام يُختصر في مركز واحد، بينما تراجع كل ما عداه إلى أدوات تنفيذ.
في هذا السياق لم تعد الدولة إطاراً عاماً فوق الجميع، بل تحولت إلى امتداد للسلطة. تشكّلت بنية سياسية تجعل من رأس النظام المرجع النهائي لكل شيء: الأمن، الاقتصاد، القضاء، وحتى تفاصيل الإدارة اليومية. ومع الزمن، لم يعد غريباً أن تتكرس معادلة غير مكتوبة مفادها أن بقاء الدولة مرتبط ببقاء من يحكمها، وكأن الكيان العام لا يستطيع أن يعمل خارج إرادة الفرد.
لكن هذه المعادلة تحديداً هي التي تطرح اليوم سؤال ما بعد السقوط: هل يمكن إعادة بناء دولة لا تُختزل في شخص، ولا تُختطف باسم الاستقرار، ولا تُهدد بالانهيار عند أول انتقال في السلطة؟
الإجابة لا تتعلق بالشعارات، بل بإعادة تفكيك الأساس الذي قامت عليه تلك التجربة، وإعادة تركيب الدولة على قواعد مختلفة جذرياً.
أول ما يتطلبه هذا التحول هو كسر فكرة “السلطة المطلقة”. فالمناصب العليا—سواء رئاسة الدولة أو الحكومة أو الأجهزة التنفيذية—لا يمكن أن تُفهم بوصفها امتداداً لشخصية الحاكم، بل بوصفها وظائف مؤقتة محددة الزمن والصلاحيات. أي مسؤول، مهما علا موقعه، يجب أن يكون داخل إطار قانوني صارم يمنع التمدد خارج حدود التكليف.
لكن ضبط السلطة التنفيذية وحده لا يكفي. التجربة السورية أظهرت أن الخلل الأعمق كان في تداخل الدولة مع الجهاز الأمني، حتى بات الأمن جزءاً من تعريف الدولة نفسها. لذلك فإن أي إعادة بناء حقيقية تستوجب فك هذا الاندماج: إخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مؤسساتية حقيقية، ومنع احتكار القرار الأمني خارج الدولة المدنية، وربط عملها بالقانون لا بالتقدير السياسي المغلق.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن الحديث عن دولة دون قضاء مستقل فعلي. فغياب القضاء المستقل حوّل القانون في التجربة السابقة إلى أداة مرنة بيد السلطة، تُستخدم عند الحاجة وتُجمّد عند الضرورة. المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار للقضاء كسلطة فوق الجميع، لا كذراع إدارية تابعة، مع ضمانات تمنع التدخل الأمني أو السياسي في تعيين القضاة أو عملهم.
غير أن الدولة لا تُبنى بالقضاء والمؤسسات فقط، بل أيضاً بإعادة تعريف المواطن نفسه. في النموذج السابق، جرى تحويل المواطن إلى عنصر تابع في منظومة إدارية وأمنية، بينما يُفترض به أن يكون مصدر الشرعية الأساسي. أي دولة حديثة لا يمكن أن تستقيم إذا لم تُبنَ على فكرة أن السلطة تُمنح ولا تُورّث، وتُراقَب ولا تُقدّس، وتُحاسَب ولا تُحصَّن.
وهنا يأتي البعد الأخطر: الثقافة السياسية. فالمشكلة ليست فقط في البنية المؤسسية، بل في الصورة الذهنية التي تجعل من الحاكم مركز التاريخ، ومن الدولة ملكية مرتبطة به. كسر هذا التصور يتطلب جهداً طويل الأمد في التعليم والإعلام والخطاب العام، لإعادة الاعتبار لفكرة أن التاريخ لا يصنعه الأفراد وحدهم، بل المؤسسات والقواعد التي تحكمهم.
أما عملياً، فإن أي انتقال جدي بعد هذا النموذج يحتاج إلى حزمة خطوات واضحة: تقليص المركزية الإدارية لصالح المحافظات، إنشاء رقابة برلمانية فعلية على الأجهزة التنفيذية، وضع حدود زمنية صارمة لكل المناصب العليا، وإعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة أن الشرعية مصدرها المجتمع لا موقع السلطة.
الأهم من كل ذلك هو منع إعادة إنتاج النموذج نفسه بأسماء جديدة. فالتجربة السورية أظهرت أن الخطر لا يكمن فقط في شخص الحاكم، بل في الفكرة التي تسمح بظهور حاكم يتماهى مع الدولة. لذلك فإن أي مشروع مستقبلي لا يضع قيوداً مؤسساتية صارمة على السلطة، سيعيد إنتاج الدائرة نفسها، حتى لو تغيّرت الوجوه.
في النهاية، الدولة ليست شخصاً ولا تجربة حكم عابرة، بل منظومة قواعد تُبقيها حيّة مهما تغيّر من يديرها. وعندما تُبنى على هذا الأساس فقط، يمكن القول إن لحظة ما بعد “سوريا الأسد” لم تكن مجرد نهاية مرحلة، بل بداية خروج حقيقي من زمن الدولة المختزلة إلى زمن الدولة التي لا تُختصر في أحد.