
بين عدوٍّ على الحدود وعدوٍّ في الداخل: أيُّ الخطرين أشدّ على سورية؟
ليست المأساة السورية مجرّد حربٍ طويلة، بل اختبارٌ قاسٍ لقدرة الدولة والمجتمع على البقاء في عالمٍ يتشابك فيه الأعداء وتختلط فيه الحدود بين الخارجي والداخلي، وبين السياسي والعقائدي، وبين ما هو صراع مصالح وما هو صراع وجود...
في هذا المشهد الملبّد، يصبح السؤال عن
( التهديد الأخطر على وحدة سورية وأمنها القومي"...
سؤالاً مشروعاً لا ترفاً فكرياً، اقصد هل الخطر الأشد يأتي من دولةٍ معاديةٍ واضحة المعالم ومفترضة الحدود، أم من جماعاتٍ جهاديةٍ متطرّفة تنخر الجسد السوري من الداخل وتعيد تشكيل الصراع على صورة حرب أهلية دائمة بلا قواعد ولا سقوف؟..
عموماً :
الخطر الإسرائيلي على سورية ليس موضع جدل من حيث المبدأ، فـإسرائيل تمثّل تهديداً جيوسياسياً وأمنياً تقليدياً لكيان مجاور، في سياق صراعٍ إقليمي ممتدّ، وحدوده معروفة، وأدواته في الغالب عسكرية نظامية أو ضربات محدودة الأهداف، هذا النوع من التهديد، مهما كان خطيراً ومؤلماً، يظلّ محكوماً بقواعد اشتباك ضمنية وبمنطق الدولة، فهناك جيش، وهناك حدود، وهناك حسابات ردع وتوازنات قوى، والعدوّ هنا مرئيّ، ويمكن توصيفه سياسياً وعسكرياً، ويمكن – نظرياً على الأقل – احتواؤه أو تحييده ضمن معادلات إقليمية أو تفاهمات غير معلنة...
لكن الخطر الحقيقي الذي يهدّد فكرة سورية نفسها، كدولة ومجتمع وهوية جامعة، يتجلّى في صعود الجماعات الجهادية المتطرفة داخل الجغرافيا السورية، فهذا خطر من طبيعة مختلفة جذرياً، خطر لا يعترف بحدود، ولا يقيم وزناً للدولة الوطنية، ولا يرى في المجتمع السوري سوى خزّان تعبئة أو ساحة صراع، ونحن هنا لا نتعامل مع خصمٍ خارجي فقط، بل مع مشروع تفكيك داخلي طويل النفس، يضرب البنية الاجتماعية من جذورها، ويحوّل المدن والقرى إلى جزر نفوذ أيديولوجي مسلّح، ويستبدل منطق الدولة بمنطق ( الجماعة العقائدية )التي لا تعترف إلا بذاتها...
إجمالاً:
الفارق الجوهري بين الخطرين أن إسرائيل – بوصفها كيان – يخوض صراع مصالح ونفوذ وأمن، أما الجماعات الجهادية المتطرفة فتمارس حرباً على فكرة المجتمع المتعدّد نفسها، هي لا تريد تغيير سلوك النظام السياسي فقط، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان السوري، وعلاقاته، وقيمه، ومفهومه للدولة والعيش المشترك، لذلك فإن أثرها لا يقف عند حدود الخسائر العسكرية، بل يمتد إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وتطبيع العنف داخل المجتمع، وإعادة تعريف الخلاف السياسي بوصفه كفراً أو خيانة تستوجب الإلغاء...
الأخطر من ذلك أن هذه الجماعات لا تعمل في فراغ، فوجودها وتضخّمها غالباً ما يستفيد من شبكات إقليمية ودولية من المصالح المتقاطعة، سواء عبر تمويل، أو تسهيلات مرور، أو توظيف غير مباشر في صراعات الآخرين، وهنا يتحوّل التطرف إلى أداة في حروب الوكالة، تُستخدم لتقويض الدول من الداخل بأيدٍ محلية، وبكلفة سياسية أقل على الأطراف الخارجية، في هذه الحالة، لا يعود الخطر مجرد تهديد أمني، بل يصبح تهديداً مركّباً بمعنى:
تفكيك داخلي يخدم أجندات خارجية، من دون أن يكون المجتمع السوري طرفاً مستفيداً في أي من هذه المعادلات...
وهنا لنا أن نقول إذا كانت الضربات الإسرائيلية – على قسوتها – تُلحق أذى بالبنية العسكرية أو السيادية للدولة، فإن الجماعات المتطرفة تُلحق أذى وجودياً بفكرة الدولة ذاتها، فإسرائيل لا تحتاج إلى تحويل السوريين إلى نسخٍ مشوّهة من بعضهم البعض كي تحقق مصالحها الأمنية؛ أما الجماعات الجهادية فلا تستطيع البقاء إلا عبر تحويل المجتمع إلى ساحة استقطاب دائم، تُغذّي فيها الكراهية، وتستثمر في الانقسامات، وتُعيد إنتاج الحرب بوصفها حالة طبيعية للحياة...
من هنا، يصبح القول إن خطرالجماعات الجهادية المتطرفة أشدّ على وحدة سورية وأمنها القومي من الخطر الإسرائيلي قولاً له ما يبرّره عقلانياً وسياسياً. فالعدوّ الخارجي، مهما بلغ عداؤه، يظلّ خصماً يمكن تعريفه والتعامل معه ضمن منطق الدولة والصراع الدولي. أما العدوّ الداخلي المؤدلج، فهو خصم يعمل على تفكيك شروط الدولة ذاتها:
احتكار العنف، وحدة القانون، شرعية المؤسسات، والمعنى المشترك للانتماء الوطني...
الخلاصة :
التي لامفرّ منها هي أن سورية إن أرادت أن تحمي نفسها فعلاً، لا يكفيها أن تراقب حدودها أو أن تحصي ضربات الخارج، التهديد الأخطر يتشكّل حين يتحوّل الداخل إلى ساحة مفتوحة لمشاريع أيديولوجية مسلّحة لا ترى في سورية وطناً، بل مجرّد منصة عبور نحو أوهامها، مواجهة هذا الخطر لا تكون بالسلاح وحده، بل بإعادة بناء السياسة على أساس وطني جامع، وبترميم النسيج الاجتماعي، وتجفيف منابع التطرف فكرياً واقتصادياً، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع من الجميع...
ففي معركة البقاء هذه، قد يكون العدوّ على الحدود خطيراً، لكن العدوّ الذي يسكن الشقوق داخل الجسد الوطني هو الأخطر على الإطلاق.