
بين اختلاف الرأي وفوضى الخطاب: مسؤولية الكلمة في زمن البناء
لم أعد أتعامل مع الأفكار من زاوية أصحابها، بل من زاوية ما تحمله من قيمة ومعنى. فالمعيار عندي ليس هوية الكاتب ولا انتماؤه، بل ما يقدمه من طرح. وكل خطاب يقوم على عصبية ضيقة أو اصطفاف مغلق، يفقد في نظري قدرًا كبيرًا من المصداقية، مهما بدا في ظاهره جذابًا أو حادًّا.
والذي دفعني إلى هذا التأمل ليس موقفًا نظريًا، بل مشهد يتكرر كثيرًا في مقاطع الاجتماعات والحوارات التي يظهر فيها مسؤولون سوريون إلى جانب مدعوين أو متابعين. هناك، في تلك اللحظات، يتكشف تعدد غير متجانس في طرق التلقي والتعبير، وكأن كل شخص يحمل عالمه الخاص بين يديه.
فمن الحضور من يدخل إلى النقاش بعقل الباحث عن الفهم، يصغي بعمق، ويزن الكلام بميزان المعرفة لا الانفعال. ومنهم من يمارس النقد الواعي الذي يلتقط مواضع الخلل دون أن يتحول إلى هدم أو تشويه. وفي المقابل، نجد من يغلبه الألم فيتحدث بلسان العاطفة أكثر من لسان التحليل. وهناك أيضًا من يجعل من المناسبة منصة لإثبات الذات أو صناعة جدل، ولو على حساب المعنى. كما أن البعض يظن أن مجرد الحضور يمنحه سلطة مطلقة في الحكم والتقييم.
المشكلة ليست في تعدد الأصوات، فهذا أمر طبيعي وصحي، بل في انحدار بعض تلك الأصوات من مستوى الاختلاف إلى مستوى التشويش، ومن النقد إلى السخرية، ومن الرأي إلى الادعاء.
فالمراحل التي تمر بها الدول، خصوصًا في لحظات البناء والتحول، لا تتحمل هذا النوع من الصراع على الظهور أو التنافس على الأدوار الرمزية. فهي تحتاج إلى وعي يوازن بين الطرح والمسؤولية، وإلى خطاب يدرك أن الكلمة ليست استعراضًا بل مساهمة.
إن المسؤولية العامة ليست امتيازًا يُطلب للوجاهة، بل عبء يحتاج إلى تأهيل حقيقي، علمًا وخبرةً ونضجًا أخلاقيًا. ومن يختزلها في رأي عابر أو حماس لحظي، فإنه يسيء فهمها قبل أن يسيء إلى نفسه أو غيره.
وقد عبّر الرئيس أحمد الشرع، في عبارة عفوية لكنها بالغة الدلالة، عن هذا المعنى حين أشار إلى استحالة أن تُفتح المناصب لكل من يرغب بها، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لا تُدار برغبات فردية، بل بمنظومة عمل تتطلب الكفاءة لا الانطباع.
ومن هنا، يصبح الأجدى أن يُسأل كل فرد: ماذا يمكنني أن أقدم في مكاني الحالي؟ لا أن ينشغل بسؤال: أي موقع أستحق؟
فالبناء الحقيقي لا يقوم على انتظار المواقع، بل على استثمار القدرات حيثما وُجدت. فكل علم يُنفع به، وكل خبرة تُوظف بإخلاص، وكل رأي يُقدم بوعي، هو لبنة في جدار الوطن.
ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الضجيج ولا سباق المزايدات، بل قدرًا أكبر من الوعي والانضباط في الخطاب. أن يتكلم من يعرف، وأن يختصر من لا يملك إلا الانفعال، وأن يُحسن كل منا وضع طاقته في موضعها الصحيح.
فالأوطان لا تُبنى بالجدل الفارغ، بل بالعقول التي تفكر بعمق، وبالنفوس التي تتجرد من الغرض، وبالأيدي التي تعمل بصمت وإتقان، بعيدًا عن الاستعراض والضجيج.