
بين العاطفة والفوضى، حين تتحول القضية إلى عبء على أصحابها...
في لحظات الغضب الكبرى، تميل الشعوب إلى التعبير عن وجعها بأعلى صوت ممكن، وكأن الصراخ وحده قادر على تعديل ميزان القوى أو إعادة الحق إلى نصابه. لكن التاريخ، بكل قسوته ووضوحه، يخبرنا بحقيقة مختلفة: القضايا العادلة لا تنتصر بالفوضى، ولا تُخدم بالإساءة، ولا ترتقي بالشعارات المنفلتة. بل على العكس، كثيرًا ما تتحول هذه الانفعالات غير المنضبطة إلى عبء ثقيل على القضية نفسها، فتُضعفها بدل أن تقوّيها...
إن التعدي على السفارات، أو شتم الدول، أو الانفلات في الخطاب، لا يقرّب خطوة واحدة نحو تحرير الأقصى، ولا يضيف إلى رصيد الحق شيئًا، بل يرسل رسالة معاكسة تمامًا: رسالة بأن من يحمل هذه القضية عاجز عن التعبير الحضاري عنها، وأنه يخلط بين الغضب المشروع والسلوك غير المسؤول، وفي عالم تحكمه الصورة والانطباع بقدر ما تحكمه الوقائع، تصبح هذه التصرفات مادة جاهزة لتشويه أي مطلب عادل، مهما كان نقيًا في جوهره...
الأخطر من ذلك أن هذه الأفعال لا تضر بصورة الدولة فقط، بل تمس مصالح شعبها بشكل مباشر، فالعلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح الدقيقة والتوازنات الحساسة. وعندما تُستهدف سفارات أو تُهان دول، فإن الرد لا يكون معنويًا فقط، بل قد ينعكس على الاقتصاد، والدبلوماسية، وفرص التعاون، وحتى على حياة المواطنين اليومية، وهنا يتحمل الشعب ثمن تصرفات لا تخدمه، بل تُثقِل كاهله أكثر...
ثمة خلط خطير بين الحماسة للقضية وبين الفوضى باسمها، فالحماسة الحقيقية هي التي تُترجم إلى وعي، وتنظيم، واستراتيجية طويلة النفس، أما الفوضى فهي، في جوهرها، هروب من التفكير العميق، واستبدال للفعل المؤثر بردود فعل عابرة، إن من يعتقد أن الشتائم تُحرر الأرض، أو أن الاعتداءات الرمزية تُغير موازين القوى، إنما يختزل صراعًا معقدًا في صورة بدائية لا تصمد أمام الواقع...
القضايا العادلة تحتاج إلى عقل بارد بقدر ما تحتاج إلى قلب مشتعل، تحتاج إلى خطاب يربح العقول قبل أن يستفز العواطف، وإلى أدوات تأثير تتجاوز حدود الانفعال اللحظي، فالعالم لا ينصت لمن يصرخ فقط، بل لمن يُحسن عرض قضيته، ويملك القدرة على كسب التأييد، وبناء التحالفات، واستثمار القانون الدولي، والإعلام، والرأي العام العالمي...
من هنا:
يصبح من الضروري إعادة توجيه البوصلة، بدل الانفلات، نحتاج إلى تنظيم؛ وبدل الشتائم، إلى خطاب مدروس؛ وبدل الفوضى، إلى عمل مؤسسي طويل الأمد، إن دعم القضية يمكن أن يكون عبر التوعية، والعمل السياسي الذكي، والإعلام المؤثر، والدبلوماسية الشعبية، وحتى عبر النماذج الناجحة التي تعكس صورة إيجابية عن الشعوب التي تحملها...
كما أن على النخب، من مثقفين وإعلاميين وقادة رأي، مسؤولية مضاعفة في ترشيد الخطاب العام، ومنع الانزلاق نحو ممارسات تسيء أكثر مما تنفع. فالصوت العاقل، وإن بدا أحيانًا أقل صخبًا، هو الأقدر على البقاء والتأثير...
في النهاية:
ليست كل صرخة دليل قوة، وليست كل فوضى تعبيرًا عن صدق، القوة الحقيقية تكمن في القدرة على ضبط النفس، وتوجيه الغضب نحو مسارات منتجة، وتحويل الألم إلى مشروع عمل لا إلى حالة انفلات، فالقضايا الكبرى لا تنتصر بالانفعال وحده، بل بالعقل الذي يقوده، والحكمة التي تضبطه، والرؤية التي تمنحه اتجاهًا ومعنى.